الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


في معنى الإيمان خارج الضجيج

سليم نزال

2026 / 5 / 2
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


في السنوات الأخيرة، برزت ظاهرة لافتة في فضاء الإنترنت، تتمثل في الاحتفاء المبالغ فيه بخبر انتقال شخص من دين إلى آخر، أو من منظومة إيمانية إلى غيرها.
ولا يقتصر الأمر على مجرد نقل الخبر، بل يترافق غالبًا مع موجات من التعليقات الحماسية، وأحيانًا الاحتفالية، التي تعكس حالة من الهوس الديني الذي يتجاوز حدود المعقول.
هذا المشهد لا ينتمي إلى ثقافة بعينها، بل يتكرر في اتجاهات متعددة، حيث يتعامل كل طرف مع مثل هذه الحالات بوصفها انتصارًا رمزيًا، وكأن الإيمان تحول إلى ساحة تنافس، أو إلى مؤشر عددي يقاس بزيادة الأتباع أو نقصانهم.
غير أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هنا هو:
ما الذي يعنيه فعلًا لدين ما أن ينضم إليه فرد جديد؟
هل تتغير جوهر الحقيقة الدينية بتغير انتماء شخص واحد؟
وهل يصبح الإيمان أعمق أو أكثر صدقًا بفعل هذه التحولات الفردية؟
في تقديري، لا يحمل هذا الأمر في ذاته أهمية تستحق كل هذا الاهتمام.
لكن الخطورة تبدأ عندما يتم تضخيم هذه الحالات، ووضعها في مركز الخطاب العام، بحيث تتحول إلى أدوات للتجييش، أو إلى رموز لصراع هوياتي أوسع.
عندها، لا يعود الحديث عن إيمان فردي، بل عن مشروع صراع، قد يفتح الباب أمام مشاعر الكراهية، والاحتقان، وربما العنف.
إن الإيمان، في جوهره، تجربة شخصية عميقة، لا يمكن اختزالها في إعلان أو تصنيف.
وطرق الناس إلى الله متعددة، تتشكل وفق ثقافاتهم وخبراتهم الروحية، سواء عبر الديانات المؤسسية الكبرى، أو عبر تقاليد روحية محلية، أو حتى من خلال التأمل الفردي.
ومن هنا، قد يكون من الحكمة استعادة المعنى البسيط الذي يلخصه القول الشعبي في بلاد الشام:
"كلٌّ على دينه، الله يعينه."
وهو قول لا يعكس لامبالاة، بقدر ما يعبر عن إدراك عميق لتعدد المسارات الإنسانية نحو المعنى.
لقد عايشت، في مرحلة دراستي، تجربة تركت أثرًا في فهمي لهذه المسألة.
كان هناك طالب هندي، شديد الالتزام بممارساته الدينية، يذهب أسبوعيًا إلى معبده.
لم يكن ما يلفت الانتباه فيه طقوسه، بل صفاؤه الإنساني وقيمه الأخلاقية.
وفي أحد الأيام، التقيته وهو في طريقه إلى الصلاة، فقلت له:
"ادعُ الله من أجلي."
نظر إليّ باستغراب، وربما لم يفهم قصدي في البداية،
فأوضحت له أنني أرى في إخلاصه وصدق إيمانه ما يجعل دعاءه أقرب إلى الاستجابة،
أكثر من كثيرين يرفعون شعارات الدين دون أن تنعكس في سلوكهم.
تلك اللحظة البسيطة كشفت لي معنى بالغ الأهمية:
أن الإيمان لا يُقاس بما يُعلن، بل بما يُعاش.
وربما تكمن المشكلة الحقيقية ليس في الأديان ذاتها،
بل في الطريقة التي يتم توظيفها بها في المجال العام،
حيث تتحول من مصدر للمعنى الروحي إلى أداة للصراع والتمايز.
إن بناء مجتمعات أكثر توازنًا لا يمر عبر تتبع تحولات الأفراد الدينية،
بل عبر ترسيخ قيم الاحترام المتبادل،
والاعتراف بحق كل إنسان في أن يسلك طريقه الخاص نحو الإيمان.
في عالم يزداد انقسامًا،
قد يكون من الضروري إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة،
لكنها عميقة الدلالة:
أن الإيمان، في جوهره، علاقة بين الإنسان وربه
لا تحتاج إلى جمهور،
ولا إلى تصفيق.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سرديات أونلاين | المقدسات المسيحية في فلسطين ولبنان تحت نيرا


.. هل القاضي مقيد بالمذهب الحنفي في مشروع قانون الأحوال الشخصية




.. 10-Unless they associate others / Yusuf / 100 - 111


.. نجاة عبدالحق لـ«المصري اليوم»: معظم يهود مصر لم يهاجروا لإسر




.. جلالة الملك ينيب سمو الشيخ عبدالله بن حمد لحضور الاحتفال بمر