الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الدينوالصراعات الاجتماعية
سعيد مضيه
2026 / 5 / 2العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
اشتباك الدين بالحياة الاجتماعية ظاهرة موضوعية يصعب الفكاك منها بمجرد شعار يطالب بفصل الدين عن السياسة؛ إن إسقاط مكون اجتماعي أساس مثل الدين من الواقع الاجتماعي يخل بالمنهجية العلمية. العقائد والإيديولوجيات تتعثر بغبار الواقع ويجري استيعابها من قبل الأفراد والمجموعات والمجتمعات طبقا للمستوى الثقافي. في ضوء هذه الحقيقة الساطعة تصدق رؤية نصر حامد أبو زيد لتناول القرآن "مجال صراع سياسي، يتوجب استحضاره أحد إشكال الصراع الاجتماعي ثقافيا وسياسيا. إن أي احتمال لظهور رؤية جديدة لمعنى الدين ومفهومه ومكانته في الحياة الفردية والاجتماعية، على مستوى المجتمع لا على مستوى بعض المثقفين المتنورين فحسب، يتوقف على نشوء ثقافة مدنية جديدة، أي على التجديد الثقافي والعقلي الذي تملك قوى التغيير الديمقراطي أدواته وتستطيع الدفع به سواء عن طريق التربية المدرسية والارتقاء بالتعليم، أو البحث العلمي أو الاستثمار في الثقافة الفنية والأدبية الراقية." في هذه الميادين ينبغي أن يدور الحوار مع السلفية.
الدين والتربية كل منهما مجال صراع اجتماعي يستنكف الكثير من السياسيين الدخول في رحابه. التربية قضية سياسية بامتياز وكذلك الدين لا يجوز تركهما لاحتكار السلطة السياسية المحافظة أو حاشيتها.
اقترفت القوى الوطنية خطأ فادحا يقترب من الخطيئة حين تغافلت عن نشاط التيار السلفي، كظاهرة اجتماعية ممتدة في التاريخ. ذلك التغافل هو أحد تجليات قصور في رؤية قوى التغيير الاجتماعي أخل بالمنهجية العلمية؛ إذ دأبوا على إغفال أثر الدين كظاهرة اجتماعية، وتجاهلوا دوره في تحديد ردود أفعال الجماهير العفوية حيال مشاكل المجتمع والتحديات الخارجية. بل ان العلمانيين يرفعون مطلب فصل الدين عن السياسة، بينما تتقاطرالمجموعات زرافات بدون دعاة للالتحاق بداعش حال إعلان دولتها الإسلامية. كان عليهم المراجعة النقدية لمسيرة أغفلت دور الدين كمحرك للجماهير.
الدين مشتبك تاريخيا بكل مظاهر الحياة الاجتماعية، وبالسياسة في الدرجة الأولى، حيث جرى تأويله بما يخفي مسئولية السياسات السلطوية عن الكوارث الوطنية والاجتماعية. السلفية تأويل مغرض للشريعة والفقه الديني، تبلد المشاعر وتحيد الرؤى حيال المظالم والاختلالات الاجتماعية، وتفسر المحن بالابتعاد عن الدين، فتحمّل المسئولية لضحايا القهر الاجتماعي والهدر، وتبعد الجريمة عن الأنظمة والطبقات المتسلطة، حيث ترجئ محاسبة الطغاة ليوم الدين.كل ما فعله دعاة التغيير الاجتماعي أن اتبعوا سياسة النعام تدفن الرأس في الرمال.
السلفية الدينية، شان كل فكر تظل رهن الظروف الاجتماعية التاريخية ولا تنفصل عن مصالح مهيمنة، ومن ثم الْتزمَت السلفية بالمحافظة الاجتماعية. نشأت السلفية في العصر الوسيط وانطلقت في مسارها المدمر في حضن النظام الأبوي. سلفية العصر الوسيط انتصرت في صراع تناحري حسمته الدولة الأبوية لصالحها ضد مدرسة فقهية عقلانية استمرت أزيد من قرنين بعد وفاة الرسول. وهذا ما تسقطه من الاعتبار السلفية وأعداء الشعوب العربية. لتفسير المشكل من الآيات القرآنية (ألمشتبه في دلالاتها) نشط علم الكلام واعتمد أدوات المجاز والتأويل في اجتهاد فقه الدين، قياسا على فقه اللغة المستنبط من الشعر القديم، اطاح التدين السلفي بالفقه العقلاني، واستحال امية دينية تنكر إرادة البشر وقدرة العقل على المعرفة وترفض السببية، وتحث على الخنوع. حملت سلفية العصر الوسيط المجتمعات في سيرورة تدهور وانحطاط حتى سقوط بغداد على أيدي المغول، ثم تواصل التدهور الى أن شارفت العصر الحديث مجتمعات مبعثرة تعيش على الكفاف، نهبا للغزوات المتبادلة، ولقمة سائغة للتوسع الكولنيالي لإمبريالية الغرب..
البنية الأبوية المحدّثة (أو الأبوية المستحدثة) تقبلت هيمنة غير المسلمين، خلافا لما درج عليه فقه السلاطين في العصر الوسيط. وحسب توصيف الشرابي "تتمثل الذهنية الأبوية اول ما تتمثل، في نزعتها السلطوية الشاملة التي ترفض النقد، ولا تقبل بالحوار إلا أسلوب فرض رأيها فرضا..". نسق النظام الأبوي مع الهيمنة الامبريالية، ونجم عن التفاعل، حسب تقييم شرابي، " تغلغل الرأسمالية في الاقتصاد العربي، ما أدى الى نشوء رأسمالية تبعية ومزيفة. لم تظهر طبقة برجوازية ناضجة، ولا طبقة عاملة أصيلة، إنما نموذج هجين من المجتمع /الثقافة؛ تمترس التخلف وكمن في أعماق المجتمع العربي، متخذًا صفتين متلازمتين هما: اللاعقلانية والعجز". بخفة يد الحاوي ودهائه تزيح السلفية منطق الصدق والواقعية والحقيقة العلمية وتلوح بالفكر الديني الموروث حقيقة أزلية، رغم انه فكر بشري، تعفي نفسها من البحث وإعمال العقل والتحليل النقدي، وتغفل فقه المالات، وتتناول من تراث فقه الاستبداد والظلامية بصورة انتقائية حسب المزاج. تلك هي الظلامية في التطبيق.
تفاقمت الاختلالات بدخول الليبرالية معترك الحياة السياسية قوة تدعم السيطرة الامبريالية. استثمرت الليبرالية الجديدة التيار الغيبي الظلامي توجها لاعقلانيا يزدري الخبرة والمعرفة، وينزع للتدمير الذاتي فساندته وشحنت طاقته التدميرية. "حركة اجتماعية تفرعت مباشرة من الثقافة الأبوية الأحادية والشفوية التي تربى عليها وعيهم وتفتح..."، حسب تقييم شرابي.
الليبراليون الجدد نشطوا الأصوليات،إذ حقنوها بنسغ الحياة، وفي ذات الوقت نصبوها جوهر الدين، المكون للكيان الاجتماعي، والمبرر من ثم لازدراء المجتمعات الشرقية وإخضاعها للهيمنة. منحوا الشرعية لزيوف الدين، فشاعت مفاهيم الإسلام الوسط ولإسلام المعتدل او المتطرف، والحقيقة انه لا يوجد غير الإسلام بجوهره الإنساني، دعوة للحق وللعدالة والمساواة والتكافل الاجتماعي وسمو الأخلاق. هذا الجوهر يقرب مختلف الأديان من بعضها البعض، وكل ما خرج عن إطار جوهر الدين يعتبر تزييفا وتحريفا وتأويلا مغرضا.
جمهور السلفيين التقليديين يقاوم بضراوة تجارب التقدم الاجتماعي المستندة الى إبداع الجهد البشري، المواكبة لتطوير العلوم وإرساء تقاليد البحوث العلمية المستندة الى برامج التنمية الاجتماعية طبقا لأصول التخطيط والتنظيم وتعبئة الموارد وحشد الطاقات. برز تيار جديد لا زال ظاهرة لم تتكرر وتعم تكرس الجهد البشري في البحث والتجارب العملية لأغراض التنمية الاجتماعية واكتساب القدرات المتفوقة في التصدي لنوازع السيطرة الامبريالية ونهجها العدواني، وهو ما تجلى في التجربة الإيرانية ولدى حزب الله في لبنان.
رصد هشام شرابي تجلي الاختلالات الاجتماعية تخطته التجربة الإيرانية، إذ شددت على الشعور الوطني، فعززت الوعي الاجتماعي والمت بالنظرة الوطنية الشاملة؛ تخلصت بذلك من إرث العصور الخوالي، مستجيبة لتحذير شرابي "إذا هدر كيان الوطن من قبل العصبيات الداخلية، فإنه سيسهل على القوى الخارجية السطو عليه وسرقته، سواء بالاحتلال أو بالاستغلال او بهما معا."، خطر يتهدد المجتمع الفلسطيني، حيث تتخذ العلاقة التناحرية بين الفصائل مظهر العصبيات المتناحرة. وبنفس العمق في صلب التخلف الاجتماعي يستعرض
وحذر الخبير في علم النفس الاجتماعي، مصطفى حجازي من اختلالات الهدر الاجتماعي في النفسية الاجتماعية تحت وطأة الأبوية السلطوية، " حين يتم هدر المؤسسات والثروات يتم الاستفراد بالإنسان وكيانه من خلال تجريده من كل مرجعيات القوة والمنعة والحقوق، ولا مكان عند هذا الحد للتنمية والإنماء ... بهذا تغدو الديمقراطية في واقع الأمر لغوا فاقد المضمون ووسيلة تحايل. ولا عبور إلى الديمقراطية بدون استرداد الإنسان لحقه في إنسانيته ومكانته، ولا ديمقراطية ممكنة إذاً بدون هذا الشرط المسبق المتمثل في القضاء على الهدر الوجودي، واستعادة قيمة الكيان الإنساني وحرمته وأحقيته بالوجود.
تعاظمت مخاطر إهدار الكيان القومي الوجودي مع طرح الدبلوماسية الابراهامية ومشروع الولايات المتحدة الأبراهامية، الذي يروج له بنشاط ترامب والدوائر الامبريالية في الغرب. منذ بداية القرن الحالي تجري الأبحاث بصدده في الجامعات الأميركية والأوروبية. عرضت بنوده مشروعا صهيو امبرياليا، الباحثة المصرية، هبه جمال الدين محمد العرب، في مؤلفها " الدبلوماسية الروحية والمشترك الإبراهيمي"، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية. [ بيروت ، شباط 2021] قدمت تحليلا لبنوده وأهدافه، البعيدة عن القيم الروحية والرسالات السماوية. (ما بين الأقواس رقم الصفحات من الكتاب، حيث ورد فيها الافتباس. تبرز الكاتبة المخاطر التالية:
1-"اهم أدوات المشروع حركة صوفية لا تمت بصلة الى الإسلام، ولكن تتواصل تحت ستار نعتها بالصوفية، مستغلة عدم العلم بمضمون ما تدعو اليه من شعارات ماسونية، طبعا بعد التخلي عن كل ما لا يتم الاتفاق عليه من قبل ممثلي الديانات، مثل نبوة محمد ورسالة عيسى!!
جاء تطويع الماسونية سياسيا أهم أدوات الدبلوماسية الروحية على الأرض؛ فهي ترفع شعار ’يمكن للمرء أن يكون صوفيا مسلما وصوفيا مسيحيا وصوفيا بوذيا او صوفيا هندوسيا، او أي تقليد إسلامي آخر ، أو لاشيء على الإطلاق. كل من يرغب بصدق الدخول في طريق الصحوة وفتح القلب هو موضع ترحيب.‘ والحقيقة ان من تتوجه اليهم الصوفية العالمية هم الغافلون ممن يغلقون عقولهم ويغيبون وعيهم."[71]
2- تكتمل الأهداف الهادمة للكيان القومي بإضافة مفاهيم الترويج للفكر الإبراهيمي: "مناسك حج مشتركة تنظم رحلات مختلف الديانات،" ’لا مانع من شطب احد فروض الإسلام عبر مسار إبراهيم، تحت قناع "نشر هوية عالمية واحدة تجمع البشرية جميعها معا، لا تعتد بجنسية او عرق او دين محدد‘.... ’يخططون، بمفهوم المقدس، لتغييره بنزع قدسية الكتب السماوية –وهذا يمثل خطورة- لتكون أدلة الفكر الجديد هي المقدسة، ونزع حرمة العبادة لتصبح مراكز الفكر الإبراهيمي هي التي لها الحرمة وفقا لهذا الفكر وفتح باب التاويل المستمر للنصوص وفقا للأغراض السياسية ومواجهة اي عقبات سياسية [96].
3- يلفت الانتباه، كذلك، أبحاث أكاديمية تجري بالولايات المتحدة الأميركية تروض الدين في خدمة السياسة. من هذه الأبحاث، على سبيل المثال، ما يقوم به "مجتمع المؤرخين"،ٌ يروج للدبلوماسية الأميركية تحت ستار أهداف إنسانية. حتى ضرب هيروشيما وناغازاكي بالقنبلة الذرية، ينسجون تبريراتهم تقليدا لمقولات التوراة، ’الرب يبرد غضبه بتطهير الأثمين!‘ تفسير ينقض جميع المدارس الدينية. نصّب المشروع الولايات المتحدة رائدة في مضمار الإدارة والتنفيذ، يساعدها الأتباع و"المتطوعون"، من المليونيرية والملياردية، بالطبع. لتطوير مبادرات جديدة في السياق، وكذلك التشبيك مع المجتمع المحلي، الى جانب " مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر (من مائة دولار الى الفي دولار) يتم جمع الأموال وتوزيعها للمشاريع الصغيرة في هذه المناطق."[65]
4- رؤية المسار لحل الصراع العربي- الإسرائيلي، بالضرورة والحتم، نظرا لأن السلام العالمي أساسه انتهاء الصراع في الشرق الأوسط وبخاصة "الصراع" الدائر مع إسرائيل."[126] "هل هي الصدفة ساقت لصالح إسرائيل الوسطاء يجلسون في مقام الحكَم،" على غرارها تشكل "مجلس سلام " تحت إدارة ترمب؟ ضمن الولايات المتحدة الإبراهامية تدرج "المنطقة ما بين نهري النيل والفرات حيث عاش النبي إبراهيم و’وعد الرب‘ بوجود أمة جديدة (ليست عربية بالطبع) ، ومن ثم فهذا وعد الهي يجب تحقيقه...يحتضن الدين الصراع ويعالجه بطرائق مختلفة. "[128]. ويقولون بالابتعاد عن السياسة والانخراط بالروحانيات! أي تلفيقات الروايات التوراتية.
في داخل إسرائيل لا دعوة لتنازلات أو تضحيات !".
كما يتبين، الساسة هم الموجهون للأبحاث الأكاديمية. فحين تتماثل الحدود الجغرافية ومسار دولة إسرائيل الكبرى لا مناص من الإقرار أن القضية سياسية وليست مجرد تهويمات روحانية. المسار الإبراهيمي يمر بعشر دول بالمنطقة تترامى ما بين النيل والفرات، يحج اليها الإبراهيميون . قد يبدو المشروع خرافة بعيد التحقق، إن لم يكن مستحيلا؛ غير أن فكرة الدولة اليهودية بفلسطين بدت مستحيلة في البداية وظن الكثيرون ان المسيحيين في الغرب سوف لن يقبلوا وضع مقدساتهم تحت سيطرة اليهود.
بلغ الأمر محاولة تزييف كل من الدين الإسلامي والدين المسيحي بهدف تقويض الكيان القومي لشعوب المنطقة. تجري المحاولات لصياغة دين بديل يعزز المقولات التلمودية حول وعد الرب ، وتكريسه في خدمة المشروع الصهيو امبريالي بالمنطقة. وهذا يلح على بعث وإشهار فهم للدين بجوهره الإنساني، دعوة للحق وللعدالة والمساواة والتكافل الاجتماعي وسمو الأخلاق. الدين ميدان صراع اجتماعي.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سرديات أونلاين | المقدسات المسيحية في فلسطين ولبنان تحت نيرا
.. هل القاضي مقيد بالمذهب الحنفي في مشروع قانون الأحوال الشخصية
.. 10-Unless they associate others / Yusuf / 100 - 111
.. نجاة عبدالحق لـ«المصري اليوم»: معظم يهود مصر لم يهاجروا لإسر
.. جلالة الملك ينيب سمو الشيخ عبدالله بن حمد لحضور الاحتفال بمر