الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ذاكرة الصوت والسمع
منير السباح
2026 / 5 / 2الادب والفن
مية مية حلوة يا مية... قهوة قهواي... قهوة قهواي... صوتان كانا يترددان في أسواق دير البلح على امتداد شارع الشهداء طيلة فترة الحرب. أينما كنت تتجه في الزحام سوف تتعثر بهما، فقد حملا بصمتين ولحنين جديدين في فن إلقاء أحد عناصر الأدب الشفهي الذي يردده الباعة المتجولون. يبدو أن الحرب صنعت أنغامًا جديدة، اختُصر فيها الكلام، وتغلبت فيها الرغبة في الحياة على الموت، ونفضت الغبار عن الركام، وجعلتها وسيلة من وسائل الترويج الإبداعية التي لم تُدرس، بل خلقتها الظروف المعقدة، كمصدر من مصادر قوة التغلب الذاتي على الأزمات، بأن تقتنص الرزق وتستخلصه من فم المعجزات.
لم يكونا هذان الصوتان لوحدهما يصارعان في الوجود السمعي وسط ضجيج الناس والمدافع، ولكنهما الأكثر تأثيرًا، والأوضح في الظهور.
هناك الكثير من الأصوات التي كانت تزاحم، ولكن لم تترك الأثر خلفها، وكأنها طارئة أو عابرة سبيل، أو على الأقل لم تتقن الفن الذي يثير انتباهي. فأنا أتحدث عن الأدب الشفهي الذي ينشأ في حالة الاختلاط الشعبي والتدافع الاجتماعي.
السقّاء، صاحب النداء الأول، شاب عشريني يافع، جميل، دمث الخلق، يقابل الناس بالابتسام، وبصوته الممتلئ بالعزة يخترق الزحام، فينادي ويكرر طقطوقته التي اخترعها ورددها بنغمة لافتة تثير الانتباه. وفي ظل القيظ والجَوّ الحار، وفي زمن الجوع والخوف والحصار، كان لا بد أن تعطش، وريقك ناشف مما تراه أو تسمعه، وما تشعر به أكبر من الوصف، ففمك طيلة الوقت ممتلئ بالشتيمة وبالغبار، فلا يحليه ماء الكون ولو اجتمع، فيطل هذا الجميل بمحياه وصوته الأبح، وبأدبه وخجله الملح، وكأنه يقول: هذا ليس عملي ولا هذه صنعتي، ولكن صوته الصادح المتحدي يغدو على قلبك أعذب من الماء، وأبرد من الندى على أوراق الأشجار في فلق الصباح.
أما صبّاب القهوة، فكان يردد كلمتين في صلب عمله، لا يزيد عليهما ولا ينقص: قهوة قهواي... قهوة قهواي... يمشي وفي يده الترمس الأبيض وبعض الكاسات الورقية، وينظر في عين كل من يقابله مبتسمًا، مرددًا تلك الكلمات، ينتظر أي إشارة من أي ماشٍ في الطريق، ليلبي النداء.
وعلى هذا النحو ظل الاثنان؛ ربما كانا جنبًا إلى جنب، أو تقاطعا مرة أو أكثر في الطريق، أو سبق أحدهما الآخر بالصوت. غير أن صوتيهما، دون الأصوات الأخرى، أثّرا في سمعي وأثارا اهتمامي، حتى صرت أُنغِّم فيما يرددان، وأضيف على ما يقولان من عندي، وقد خرجت بأغنية لكل واحد منهما، وقررت أن أعطي كلًّا بما يخصه من صنعته، تلك التي استُحدثت بعد الخروج من تحت الركام.
كنت قد تدخلت بدافع أن يكون لهؤلاء الغلابة أثر، ولو على بساطته، فسوف يدر عليهم بالمنفعة إذا ما اشتهروا في الميديا أو في وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أعطت الحرب فرصًا كثيرة لكثير من المسحوقين المغمورين، وطمست كثيرًا من المشهورين والبارزين. هكذا هي الحياة، مرة لك ومرة عليك.
والأهم من ذلك أن تلك الأصوات التي تنطلق في المكان تبعث فينا الحياة، وتكسر الصمت، وتنصرنا على الخوف، ثم إنها تحاكي طفولتنا وتنعش ذاكرتنا؛ ابتداءً من “ثياب خربان للبيع”، مرورًا بـ“حلب يا حبايب”، إلى “عنبر الشام يا ولد”، لتبقى بعد ذلك تسري في ذاكرة ووجدان هذا الشعب الذي يصر على البقاء، رافضًا ومتصدّيًا لكل أدوات القتل والفناء.
فأما الذي كان يصب القهوة، فغدا صبّابًا كبيرًا للشاي، يمشي في الأسواق يردد جملته التي بالكاد حفظها: الشاي الشاي الشاي... أوصف لك يا حبيبي الشاي. ويردد أطفال الدير جميعًا خلفه الكورال: تارا را را را. أيقونة شعبية أرضية.
وأما سقّاء الماء، برغم خفته وكدّه وجدّه وحفظه، فقد صعد بأيقونة الماء إلى السماء. قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. باريس تحتفي بعودة سيلين ديون إلى الغناء • فرانس 24
.. السفير الفرنسي لـ«الأيام»: التنوع في قلب الفرنكوفونية والبحر
.. -أفلام الحروب- تحصد الجوائز الكبرى في مهرجان البندقية السينم
.. فيلم عن قتل المدنيين في غزة يتوج في مهرجان البندقية
.. لقاء مع محيي الدين بهلول.. ذاكرة البحرين بين غرفة التجارة وا