الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
بين العدالة المتأخرة وحسابات الإليزيه: لماذا عاد ملف هجوم باريس عام 1982 الآن؟
زياد الزبيدي
2026 / 5 / 2مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
3 أيار/مايو 2026
في مقال نشرته الصحفية الروسية أوليسيا أورلينكو بتاريخ 26 أبريل/نيسان 2026 تحت عنوان: «إنتهاك صارخ للقانون.. لماذا يحتاج ماكرون إلى الإرهابي الفلسطيني؟»، أُعيد فتح واحد من أكثر الملفات دموية وغموضًا في الذاكرة الفرنسية الحديثة: هجوم المطعم اليهودي في باريس عام 1982، وذلك بعد نقل المتهم الفلسطيني محمود خضر عابد العدرا، المعروف باسم هشام حرب، إلى فرنسا لمحاكمته بعد أكثر من أربعة عقود على الحادثة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: هل تأخرت العدالة؟ بل أيضًا: لماذا الآن تحديدًا؟ وهل نحن أمام إنتصار قضائي، أم أمام عملية سياسية مركبة تخدم مصالح داخلية وخارجية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون؟
أولًا: جريمة قديمة لم تُغلق جراحها
في التاسع من أغسطس/آب 1982، وبينما كان نحو خمسين شخصًا يتناولون الغداء في مطعم «جو غولدنبرغ» الواقع في الحي اليهودي بباريس، إقتحم مسلحون المكان وألقوا قنبلة يدوية ثم فتحوا النار على الحاضرين قبل الفرار.
أسفر الهجوم عن: مقتل ستة أشخاص وإصابة تسعة عشر آخرين وصدمة واسعة للرأي العام الفرنسي.
وقد ظل الملف لسنوات طويلة مفتوحًا من دون نتائج حاسمة، فيما تنقلت التحقيقات بين فرضيات متعددة شملت جماعات فوضوية، ونازيين جدد ألمان، ومتطرفين يمينيين فرنسيين.
لاحقًا، وبفضل شهادات أعضاء سابقين في تنظيم أبو نضال بين عامي 2011 و2014، رجّحت السلطات الفرنسية مسؤولية التنظيم عن العملية، وصدر عام 2015 أمر توقيف بحق عدد من المشتبه فيهم، بينهم هشام حرب.
وهنا تظهر أول مفارقة:
إذا كان اسم المتهم معروفًا منذ 2015، فلماذا لم يُسلَّم إلا في 2026؟
ثانيًا: الإعتراف بفلسطين أم صفقة قانونية؟
تشير الرواية الرسمية الفرنسية والفلسطينية إلى أن تسليم المتهم جاء بعد إعتراف باريس بدولة فلسطين في سبتمبر/أيلول 2025، وهو ما أتاح — بحسب هذا الطرح — تعاونًا قانونيًا بين الجانبين.
لكن دفاع المتهم يرفض ذلك بشدة، واصفًا العملية بأنها «إنتهاك صارخ للقانون الفلسطيني»، بحجة عدم وجود إتفاقية تسليم موقعة بين الطرفين تحدد الإجراءات والضمانات القضائية.
وهنا يتجاوز الملف شخص المتهم نفسه، ليصبح جزءًا من سؤال أوسع: هل أستُخدم ملف قضائي حساس لتثبيت نتائج قرار سياسي كبير هو الإعتراف بفلسطين؟
فالسلطة الفرنسية تحتاج إلى تقديم هذا الإعتراف للرأي العام بإعتباره قرارًا نافعًا وعمليًا، لا مجرد خطوة رمزية أغضبت إسرائيل وأثارت جدلًا داخليًا.
ومن ثم، فإن تسليم متهم في هجوم إستهدف يهودًا في باريس يمنح باريس رواية جاهزة تقول: الإعتراف بفلسطين لم يضر أمن فرنسا، بل خدم العدالة الفرنسية.
ثالثًا: تدهور العلاقة مع إسرائيل ومحاولة إستعادة التوازن
منذ إعتراف باريس بفلسطين، دخلت العلاقات الفرنسية–الإسرائيلية مرحلة توتر واضحة. وقد إزداد ذلك خلال التصعيد الإقليمي الأخير بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث بدا النفوذ الفرنسي محدودًا.
وتشير المقالة إلى أن فرنسا أستُبعدت من مفاوضات ثلاثية حول وقف إطلاق النار مع لبنان جرت في واشنطن بتاريخ 23 أبريل/نيسان، وهو ما عُدّ إشارة إلى تراجع وزنها السياسي في شرق المتوسط.
هذا التهميش مؤلم لفرنسا لأسباب تاريخية وإستراتيجية، لأنها تعتبر نفسها تقليديًا: الراعي الأوروبي الأبرز للبنان وصاحبة النفوذ الثقافي والسياسي فيه وطرفًا لا يمكن تجاوزه في ترتيبات المنطقة.
لذلك، فإن إبراز نجاح أمني/قضائي داخلي مثل جلب متهم قديم قد يكون وسيلة لتعويض التراجع الخارجي.
بمعنى آخر: حين يتعثر الدور الجيوسياسي، يُستثمر الإنجاز القضائي في صناعة صورة القيادة.
رابعًا: ماكرون والإنتخابات المقبلة
مع إقتراب إنتخابات الرئاسة الفرنسية عام 2027، تتزايد الشكوك حول مستقبل التيار المعروف باسم «الماكرونية»، أي التحالف السياسي الذي تشكل حول ماكرون منذ 2016.
وتؤكد المقالة أن غالبية المراقبين يتحدثون عن: تآكل القاعدة الوسطية، صعود اليمين القومي، تراجع الثقة بالطبقة الحاكمة وصعوبة إنتقال النفوذ إلى خليفة طبيعي لماكرون.
في هذا السياق، يصبح كل إنجاز رمزي ذا قيمة إنتخابية.
والرسالة السياسية من هذه القضية تبدو واضحة: ماكرون قادر على حماية اليهود الفرنسيين، وملاحقة معاداة السامية، وإنفاذ العدالة حتى بعد عقود.
وهذا مهم في بلد يضم أكبر جالية يهودية في أوروبا الغربية، يقدَّر عددها بنحو 600 ألف نسمة.
لكن تحويل العدالة إلى رسالة إنتخابية يحمل مخاطره أيضًا، لأن الناخب الفرنسي لا يحكم فقط على الرموز، بل على الواقع اليومي.
خامسًا: أزمة الأمن الداخلي أكبر من محاكمة متأخرة
رغم القيمة الرمزية لمحاكمة متهم في هجوم قديم، فإن فرنسا تواجه اليوم تحديات أمنية أكثر إلحاحًا، منها:
•تنامي جرائم التطرف العنيف
•التوترات المجتمعية في الضواحي
•ضغوط الهجرة والإندماج
•أزمات إقتصادية تقلص قدرة الدولة على الإنفاق الأمني
•تصاعد النفقات العسكرية
وتشير المقالة إلى أن السلطات الفرنسية فتحت خلال عام 2025 قضايا مرتبطة بالتطرف بوتيرة تقارب قضية أسبوعيًا.
وبالتالي، فإن الرأي العام قد يسأل: ما فائدة محاكمة جريمة عمرها 44 عامًا إذا كانت الدولة عاجزة عن منع تهديدات الحاضر؟
وهذا سؤال سياسي بالغ الحساسية.
سادسًا: هل تكشف المحاكمة أسرارًا محرجة؟
أخطر ما في الملف ربما ليس المتهم، بل ما قد يقوله.
فالمقالة تشير إلى أن وثائق رُفعت عنها السرية عام 2019 أوضحت أن أجهزة فرنسية تعاونت حتى مطلع الألفية مع عناصر من تنظيم أبو نضال، مقابل معلومات إستخباراتية.
وإذا ثبت ذلك، فنحن أمام معضلة مزدوجة:
1. الدولة التي تحاكم الإرهاب اليوم
2. هي نفسها التي ساومته بالأمس
ومن هنا قد تتحول المحاكمة من مناسبة دعائية إلى محاكمة للذاكرة الأمنية الفرنسية نفسها.
الخلاصة: العدالة وحدها لا تفسر التوقيت
لا خلاف على حق الضحايا وذويهم في رؤية المتهمين أمام القضاء، ولو بعد عقود. فهذا مطلب إنساني وقانوني مشروع.
لكن السياسة كثيرًا ما تختار توقيت العدالة، وتعيد ترتيب أولوياتها بما يخدم اللحظة الراهنة.
وفي حالة هشام حرب، يبدو أن باريس أرادت من الملف أن يؤدي عدة وظائف دفعة واحدة:
•تبرير الإعتراف بفلسطين
•تهدئة غضب الجالية اليهودية
•إظهار الحزم ضد الإرهاب
•تحسين صورة ماكرون قبل 2027
•تعويض التراجع في الشرق الأوسط
غير أن النجاح الإعلامي لا يضمن النجاح السياسي.
فالفرنسيون قد يرحبون بمحاكمة متأخرة، لكنهم سيحكمون في النهاية على السلطة من خلال سؤال أبسط بكثير: هل تشعر فرنسا اليوم بأنها أكثر أمنًا وأكثر قوة وأكثر إستقرارًا مما كانت عليه أمس؟
*****
هوامش
هشام حرب، الذي يُقال إن اسمه الحقيقي محمود خضر عابد عدرا، وُلد عام 1955 في يطا جنوب الضفة الغربية. تشير تقارير إعلامية إلى أنه عمل سابقًا برتبة عقيد في جهاز المخابرات العامة الفلسطينية قبل تقاعده. وتشتبه السلطات الفرنسية بضلوعه في هجوم شارع روزييه في باريس عام 1982، وهو الهجوم الذي استهدف مطعمًا يهوديًا وأسفر عن قتلى وجرحى. وقد أُوقف في الضفة الغربية عام 2025، ما أعاد القضية إلى الواجهة وأثار اهتمامًا إعلاميًا واسعًا.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. المغرب: -نوستالجيا-.. حنين إلى حقبة من تاريخ الأمازيغ
.. ترامب يضغط على سوريا.. هل يقترب الهجوم على حزب الله؟ | #الظه
.. ساعة الصفر؟ أميركا تصعد عسكريا وإيران تعلن الحرب الوجودية |
.. فانس يتهم إسرائيل بمحاولة إفشال التفاوض مع إيران
.. أستاذ تسوية الصراعات الدولية محمد الشرقاوي: الاستنزاف المتبا