الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المؤرخ خالد السعدون يرثي وطنًا ضاق بالعقل واتسع للطائفة

إسماعيل نوري الربيعي

2026 / 5 / 2
قضايا ثقافية


يا هذا، إن من أعجب ما ابتليت به الأمم حين تخرج من عصور الظلمات إلى أعتاب النور، أنها تحمل معها ظلالها القديمة كأنها زاد لا يفارقها، فتظن أنها إنما انتقلت وهي في الحقيقة ما برحت مكانها، تغيرت صورها ولم تتبدل طبائعها، وتبدلت أسماؤها ولم تتغير معانيها. ومن هنا كان حديث المؤرخ خالد السعدون، وهو من بيتٍ عرف المشيخة والإمارة، لا حديث رجلٍ عابرٍ في سوق الكلام، بل قول شاهدٍ على تاريخٍ يعرف كيف تتوارث العقول أوهامها كما تتوارث الأسر أنسابها. ولقد قال قولًا لو وُزن بميزان العقل لرجح، ولو عُرض على محكمة الضمير لبرأ، إذ أعلن براءته من مباءة الانتماء الطائفي، وعدّها مثلبة تزري بالعقل وتنحط بالإنسان إلى روح القطيع. وليس هذا القول من باب الترف الفكري، ولا من زخرف البيان الذي يُعجب السامع ثم يزول أثره، بل هو موقف رجل خبر التاريخ، وعلم أن الأمم لا تسقط فجأة، وإنما تنحدر شيئًا فشيئًا حين تستبدل معيار الكفاءة بمعيار الانتماء. يا صاح، إن الطائفية ليست مجرد فكرة تُقال، ولا رأيًا يُتداول، بل هي نظام خفي يعيد تشكيل الوعي، حتى يرى الإنسان نفسه لا بما هو عليه، بل بما يُنسب إليه، ولا بما يملك من عقل، بل بما يلتصق به من جماعة. وهنا يتحول الإنسان من فردٍ مسؤول إلى جزءٍ ذائب، لا يرى الحق إلا من خلال طائفته، ولا يسمع إلا صدى صوته في جماعتها، فيضيع العدل بين تضخيم الذات الجماعية وإنكار الآخر. وليس أخطر على الأمم من أن تُقسّم نفسها إلى "مكونات"، فتجعل من هذا التقسيم أصلًا في الحكم، بعد أن كان عرضًا في الاجتماع، إذ ينقلب الميزان، فيُقدم من لا كفاءة له لأنه يمثل، ويُؤخر من يستحق لأنه لا ينتمي، ويصبح القانون خادمًا للهوية بدل أن تكون الهوية خاضعة للقانون. وهنا يظهر الخلل الذي أشار إليه السعدون حين أنكر لعبة تقسيم المواطنين إلى مكونات منافية لمبدأ المساواة.
يا رعاك الله، إن في النفس ميلًا إلى التحيز، ولكنه ميلٌ إن لم يُقوّم بالعقل صار عاهة، وإن لم يُهذب بالعدل صار فتنة. وقد ظن بعض الناس أن منح الامتياز لما سُمي "المكون الأكبر" قد يكون سبيلًا لامتصاص المظلومية، أو تجربة تُفضي إلى نضج القيادة، ولكن التجربة إذا طالت ولم تُثمر، صارت دليلًا على فساد الأصل لا على سوء التطبيق. وإن من دقائق النظر أن الرجل لم يقف موقف الحاسد أو المعاند، بل مال إلى إعطاء الفرصة، كمن يريد أن يرى هل تنضج التجربة أم تذبل، وهل تثمر الشجرة أم يبقى ظلها وهمًا. ولكن ما كان من أمر السنين التي قاربت ربع قرن إلا أن كشفت أن الامتياز إذا لم يُبن على الكفاءة، كان عبئًا على من أُعطيه، ووبالًا على من حُرم منه. يا أحسن الله إليك، إن الطائفية إذا استحكمت لم تكتفِ بتقسيم المناصب، بل تسللت إلى العقول، فصار الفشل يُبرر، والنجاح يُحتكر، والخطأ يُغتفر إن صدر من "الذات"، ويُعظم إن صدر من "الآخر". وهنا تفقد الأمة قدرتها على النقد الذاتي، وتتحول إلى جسدٍ مريض لا يشعر بألمه، لأن الألم صار جزءًا من تعريفه لنفسه. ولقد أحسن السعدون حين جعل سؤاله مفتوحًا، كأنه يُلقي به في وجه الزمان لا في وجه شخصٍ بعينه، إذ قال "سؤال لمن يملك الإجابة"، وكأنه يعلم أن الإجابة ليست عند فرد، بل عند ضمير جماعي إن استيقظ، أو عند عقلٍ عام إن تحرر من قيوده. وهذا من بليغ القول، لأن السؤال إذا كان صادقًا، كان أبلغ من ألف جوابٍ مصنوع.
يا هداك الباري، إن من طبيعة الإنسان أنه معجب بعقله، يرى أنه على صوابٍ ولو خالفه العالم، ويظن أنه مظلوم ولو كان ظالمًا، فإذا اجتمع هذا مع الانتماء الطائفي، صار الوهم يقينًا، والباطل حقًا، لأن الجماعة تعزز الفرد في خطئه، وتمنحه شعورًا زائفًا بالصواب. وهنا يكمن الخطر الذي يجعل الطائفية ليست مجرد انقسام، بل منظومة لإنتاج الخطأ وإعادة تدويره. وليس في التاريخ ما يدل على أن أمة نهضت وهي تجعل الانتماء معيارًا، بل كل ما فيه أن الأمم إنما قامت على أكتاف الأكفاء، وسقطت حين استبدلتهم بأبناء الولاءات. فالعقل لا يسأل عن اسمك، بل عن عملك، والعدل لا يعرف طائفتك، بل يعرف حقك. ومن هنا كان ذم الطائفية ليس موقفًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة حضارية. يا سدد الله خطاك، إن من البيان ما يكون سيفًا، ومنه ما يكون مرآة، ومنه ما يكون دواءً، وكلام السعدون جمع هذه الثلاثة، فهو سيفٌ يقطع الوهم، ومرآة تعكس الواقع، ودواءٌ مرٌّ لا يُستساغ إلا لمن أراد الشفاء. وليس كل من سمع مثل هذا الكلام يقبله، لأن القلوب إذا ألفت العادة، أنكرت الحق وإن ظهر. وإنك لتجد في الناس من يدافع عن الطائفية لا لأنه يراها حقًا، بل لأنه يخشى أن يفقد بها امتيازًا، أو يضيع منه موقعًا، فيصبح أسير مصلحةٍ ضيقة، لا يرى أبعد من حدودها. وهؤلاء هم الذين يعطلون كل إصلاح، لأنهم يجعلون من الخطأ نظامًا، ومن الانحراف قاعدة. يا وفقك الله، إن أعجب ما في هذه المسألة أن من يدّعي تمثيل "الأكثرية" قد عجز عن تقديم نموذجٍ ناجح، مع طول المدة وسعة الفرصة، وكأن التاريخ أراد أن يقول إن الكثرة لا تغني عن الكفاءة، وإن العدد لا يعوض عن العقل. فليس المهم كم تملك من الناس، بل ماذا تصنع بهم، وليس العبرة بمن يحكم، بل كيف يحكم.
وإن من تمام الحجة أن التجربة إذا طالت ولم تُنتج، لم يعد في الإمكان تعليق الفشل على الظروف، أو نسبته إلى الخصوم، لأن الزمن كفيل بكشف الحقيقة، وإظهار ما خفي من العيوب. وهنا يتحول السؤال من "لماذا لم ننجح" إلى "هل كان الطريق صحيحًا أصلًا". يا أيدك الله، إن البيان إذا وافق المعنى، وسلم من التكلف، كان أوقع في النفس، وأبلغ في الحجة، وما قاله السعدون من هذا الباب، إذ جاء لفظه تابعًا لمعناه، لا متقدمًا عليه، فجاء الكلام صادقًا لا متصنعًا، قويًا لا متكلفًا، فاستقر في القلب قبل أن يصل إلى السمع. وإن من دلائل فساد الطائفية أنها تُفسد حتى اللغة، فيصبح الكلام محمّلًا بالإشارات والانتماءات، لا بالحقائق والمعاني، فيضيع البيان بين المجاملة والخوف، ويغيب الصدق خلف ستار الحذر. وهنا يحتاج الناس إلى من يقول الكلمة كما هي، لا كما يريدون أن يسمعوها. يا هذا، إن الأمم لا تُقاس بما تملكه من ثروات، بل بما تملكه من وعي، ولا بما ترفعه من شعارات، بل بما تطبقه من عدل. فإذا غاب العدل، لم تنفع الشعارات، وإذا فسد الوعي، لم تغنِ الثروات. والطائفية عدو الاثنين، لأنها تُفسد العدل وتُعمي الوعي. وليس من الحكمة أن يُترك هذا الداء دون مواجهة، لأن السكوت عنه إقرار، والتساهل معه تمكين، والتعايش معه استسلام. وإنما يكون العلاج بإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه إنسانًا، لا بوصفه تابعًا، وبإحياء مبدأ الكفاءة، لا مبدأ الانتماء، وبترسيخ القانون، لا الأعراف الطائفية.
يا صاح، إن السؤال الذي طرحه السعدون ليس سؤالًا عن الماضي، بل عن المستقبل، لأن الجواب عنه هو الذي يحدد إلى أين تسير الأمة، وهل تبقى في مستنقعها، أم تخرج منه إلى أفق أرحب. وليس كل من سمع السؤال مستعدًا للإجابة، لأن الإجابة تحتاج إلى شجاعة، والشجاعة تحتاج إلى صدق. وفي الختام، فإن من تأمل هذا القول، علم أنه ليس دعوة إلى خصومة، بل نداء إلى عقل، وليس هجومًا على جماعة، بل دفاع عن وطن، وليس تشكيكًا في أحد، بل تحريض على مراجعة النفس. ومن لم يفهم هذا، فقد حُجب عنه المعنى، وإن سمع اللفظ، ومن لم يقبله، فليس لأن الحجة ضعيفة، بل لأن الهوى قوي. وهكذا يبقى السؤال قائمًا، لا ينتظر جوابًا سريعًا، بل وعيًا يتشكل، وعقلًا ينضج، وضميرًا يستيقظ، حتى يأتي يومٌ يُقال فيه إن الوطن قد ضاق بالطائفية، كما ضاق بها العقل من قبل، وأن الناس قد عادوا يرون أنفسهم مواطنين لا مكونات، وأفرادًا لا أتباعًا، وعقولًا لا أرقامًا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. القوات الحكومية اليمنية تغير قواعد المواجهة ضد الحوثيين


.. نافذة تحليلية | خطة ترمب لغزة بين التشدد الإسرائيلي والضغوط




.. نشرة إخبارية | سوريا ترد على رسالة نتنياهو من جبل الشيخ.. وت


.. بعد إغلاق قنصليتها في القدس.. هل يتصاعد التوتر بين بريطانيا




.. تسجيل 38 قائمة وحزبا سياسيا في الانتخابات العامة الإسرائيلية