الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الحج والتقويم الإسلامي: إشكالية الزمان بين النص والاجتهاد

الناصر خشيني

2026 / 5 / 2
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


بقلم: الناصر خشيني
مدخل
في كل عام، وحين يشتد وهج الصيف ويبلغ الحرّ ذروته، يتجه ملايين المسلمين من أصقاع الأرض نحو مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، محملين بالإيمان ومثقلين بأعباء الحرارة القاسية. وتُسجّل إحصاءات الوفيات الناجمة عن الإجهاد الحراري أرقاماً مفجعة في أغلب السنوات. غير أن المتأمل في السيرة النبوية يجد أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم لم يؤدِّ حجته الوحيدة "حجة الوداع" إلا في فصل يوافق وفق الحسابات الفلكية فصلَ الشتاء الميلادي. فأين الخلل؟ وكيف يُفهم هذا التناقض بين ما سنّه النبي عملياً وما يعيشه المسلمون اليوم؟
أولاً: التقويم الهجري وإشكالية الانفصال عن الفصول
يقوم التقويم الهجري على أساس السنة القمرية البحتة، المكوّنة من اثني عشر شهراً قمرياً لا يتجاوز مجموعها 354 يوماً، أي بفارق 11 يوماً تقريباً عن السنة الشمسية البالغة 365 يوماً. ومن ثَمَّ، تتقدم الشهور الهجرية كل عام بمقدار هذا الفارق، لتدور دورة كاملة على الفصول الأربعة في غضون نحو 33 سنة شمسية.
وقد كان العرب قبل الإسلام يستخدمون نظام "النسيء"، أي تأجيل الأشهر الحرم وإضافة شهر كبيس كل فترة، للحفاظ على توافق التقويم مع الفصول. وقد جاء القرآن الكريم لينهى عن هذه الممارسة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ (التوبة: 37). وقد فُسّر هذا النهي تاريخياً على أنه تحريم لأي شكل من أشكال التعديل التقويمي، مما أفضى إلى اعتماد السنة القمرية الخالصة نهجاً ثابتاً، بصرف النظر عن تداعياته العملية.
ثانياً: حجة الوداع في ميزان الفلك. وردت عدّة أقوالٍ للعلماء في بيان وتحديد التاريخ الميلاديّ لحجّة الوداع؛ فقد ذُكر في كتاب موجز التاريخ الإسلامي أنّ حجّة الوداع كانت سنة ستّمئةٍ وإحدى وثلاثين للميلاد،أمّا اليوم الذي صادف وقوع حجّة الوداع، فكان يوم السبت من شهر كانون الثاني/ يناير،وذكر محمد رضا في كتابٍ له اسمه "محمّد صلى الله عليه وسلم" أنّ حجّة الوداع كانت في شهر آذار/ مارس، من سنة ستّمئةٍ واثنين وثلاثين للميلاد بحيث.
أن حجة الوداع من خلال هذا القول أُديّت في ذي الحجة من العام العاشر الهجري، الموافق لشهر مارس من عام 632 ميلادي. وشهر مارس في منطقة الحجاز يوافق أواخر فصل الشتاء وبداية الربيع، حيث تتراوح درجات الحرارة في مكة بين 20 و28 درجة مئوية، مناخٌ معتدل يختلف اختلافاً جذرياً عن الحرارة الخانقة التي تصل أحياناً إلى 45 درجة وما فوق خلال موسم الحج في أشهر الصيف اليوموبما ان المسالة خلافية فهي ليست دينا.
وبالمنطق ذاته، يُشير الباحثون إلى أن النبي صام رمضان على مدار تسع سنوات متتالية، بدءاً من السنة الثانية للهجرة، وكانت غالبية هذه السنوات تصادف فصلَي الخريف والشتاء، مما جعل الصيام في اعتدال نسبي مقارنة بما يعانيه المسلمون اليوم حين يصادف رمضان أشهر القيظ.
ثالثاً: الاجتهادات التي شكّلت الواقع
يُقرّ الفقهاء بأن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو من أسّس للتقويم الهجري المعمول به اليوم في صيغته الرسمية، وذلك في العام السابع عشر للهجرة. وقد اختار أن يكون مبدأ التأريخ من هجرة النبي، وأن يظل التقويم قمرياً صرفاً دون أي تعديل شمسي. وهو اجتهاد بشري، لا وحيٌ إلهي، أسهم في ترسيخ هذا الانفصال بين المناسبات الدينية وفصول السنة.
والأهم من ذلك أن مسألة النسيء التي نهى عنها القرآن كانت في جوهرها ممارسةً سياسية يستغلها زعماء القبائل لتأجيل الأشهر الحرم خدمةً لمصالح الحرب. ويرى عدد من الباحثين المعاصرين أن النهي القرآني كان يستهدف هذه الحيلة السياسية تحديداً، لا مجرد التوافق الفلكي بين التقويم والفصول.
رابعاً: إشكاليات المنهج والتمييز بين الثابت والمتغير
إن جوهر المسألة يكمن في سؤال منهجي عميق: هل كل ما جرى في عهد النبي يُعدّ تشريعاً لازماً وملزماً، أم أن بعضه جاء استجابةً للسياق الزمني والظرف التاريخي؟
الشريعة الإسلامية في جوهرها تُفرّق بين العبادات ذات الأصل الثابت، وبين الوسائل والآليات التي تخضع لمبدأ المصلحة والدرء عن المفسدة. وفي هذا السياق، يمكن القول إن توقيت الحج في ذي الحجة ثابتٌ بالنص القرآني، لكن العلاقة بين ذي الحجة والفصول المناخية ليست ثابتةً في ذاتها، وإنما تتغير بطبيعة التقويم القمري.
والحجج المانعة من أي مراجعة تستند في الغالب إلى موروث فقهي تراكمي لا إلى نصوص قطعية الدلالة، في حين أن مآلات هذا الموروث تشمل وفيات بالآلاف جراء موجات الحر كل موسم.
خامساً: نحو مراجعة جريئة ومسؤولة
لا يعني الدعوة إلى المراجعة إنكاراً للثوابت أو خروجاً عن الأصول، بل هي دعوة إلى التمييز الدقيق بين ما هو من الدين وما هو من التاريخ والاجتهاد البشري. وقد أجاز كثير من علماء الفقه الإسلامي الكلاسيكيين أن تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال.
والأسئلة المشروعة التي تطرحها هذه الإشكالية هي:
هل يمكن إعادة النظر في التقويم الهجري بما يجمع بين القمرية في العبادات والاعتدال المناخي في التطبيق؟ وهل ثمة آليات فقهية معاصرة تُجيز إضافة تعديل شمسي دون أن يمسّ ذلك جوهر العبادة؟ وهل يجب أن تنتظر الأمة حتى يصادف الحج موسم الصيف القاتل كل بضعة عقود لتُعيد طرح هذه الأسئلة؟
خاتمة
إن الإسلام دين اليسر لا العسر، ودين العقل لا التقليد الأعمى. وما وصل إلينا من اجتهادات بشرية في إطار التقويم والتوقيت ليس قرآناً منزّلاً ولا سنةً ثابتة في كل تفاصيلها، بل هو تراثٌ فقهي قابل للنقد والمراجعة. والحجاج الذين يلقون حتفهم سنوياً تحت وطأة الحر ليسوا ضحايا الدين، بل هم ضحايا التقديس المزوّر لاجتهادات بشرية قابلة للتصحيح. آن لأهل العلم والفكر أن يُعيدوا طرح هذه المسائل بعيداً عن التابو، خدمةً للدين قبل أي اعتبار آخر.
المراجع والمصادر
ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ.
ابن كثير، البداية والنهاية، أحداث السنة العاشرة الهجرية، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة.
محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، دار النفائس، عمّان، 2001.
يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، دار القلم، الكويت، 1996.
جمال الدين عطية، نحو تفعيل مقاصد الشريعة، دار الفكر، دمشق، 2001.
David King, Astronomy in the Service of Islam, Variorum, Aldershot, 1993.
F.C. De Blois, "Tā rīkh", The Encyclopaedia of Islam, Vol. X, Brill, Leiden, 2000.
منظمة الصحة العالمية، تقارير الوفيات الناجمة عن الإجهاد الحراري خلال موسم الحج، 2023-2024.
أحمد معمور العسيري (1996)، موجز التاريخ الإسلامي من عهد آدم إلى عصرنا الحاضر (الطبعة الأولى)، صفحة 92، جزء 1. بتصرّف. وجدان فريق عناد العارضي (2017)، إمارة الحج في الدول العربية والإسلامية (الطبعة الأولى)، الأردن: دار أمجد، صفحة 297. بتصرّف. محمد رضا، محمد صلى الله عليه وسلم جزء 2 صفحة 71



الناصر خشيني نابل تونس
Email [email protected]
http://alhorrriato.blogspot.com :Site
http://www.facebook.com/reqs.php?fcode=9d34d7041&f=693791089#!/profile.php?id=1150923524








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سرديات أونلاين | المقدسات المسيحية في فلسطين ولبنان تحت نيرا


.. هل القاضي مقيد بالمذهب الحنفي في مشروع قانون الأحوال الشخصية




.. 10-Unless they associate others / Yusuf / 100 - 111


.. نجاة عبدالحق لـ«المصري اليوم»: معظم يهود مصر لم يهاجروا لإسر




.. جلالة الملك ينيب سمو الشيخ عبدالله بن حمد لحضور الاحتفال بمر