الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حكمة في خريف العمر

امير وائل المرعب
ماجستير هندسة كهرباء جامعة بغداد ومهتم بالادب والشعر والفلسفة والعلوم والرياضيات

(Amir Wael Abdulamir Murib)

2026 / 5 / 2
الادب والفن


كان "عمر" قد أتم عامه الخمسين، رجلاً موسوعياً بحق، يلتهم ثلاثة كتب يومياً حتى بات عقله أشبه بمكتبة ضخمة تمشي على قدمين. لكن مع اتساع مداركه المعرفية، كانت دائرته الاجتماعية تضيق بشدة. بدأ يفقد أصدقاءه واحداً تلو الآخر؛ ففي كل نقاش، كان يُغَلِّب المنطق الصارم على المشاعر، وتتضارب وجهات نظره مع من حوله، لا سيما في تلك الحقبة المظلمة التي مرت بها البلاد.

لقد مزقت الحرب الأهلية والفتن الطائفية نسيج مجتمعهم، وكان وقع الكلمات في نقاشاتهم القديمة قاسياً وجارحاً كوقع الرصاص. افترق الأصدقاء إثر تلك الخلافات العميقة، وبقي عمر وحيداً، محاصراً بين جدران كتبه، يظن أن المعرفة تكفيه.

الكتاب الذي غيّر كل شيء
في يوم كئيب، وأثناء تجواله بين رفوف مكتبة عامة قديمة، وقعت عيناه على كتاب مهترئ الغلاف بعنوان يحمل دلالة بسيطة: "كيف تستعيد أصدقاءك". لم يكن كتاباً في الفلسفة المعقدة أو التاريخ الثقيل الذي اعتاده، لكنه لامس وتراً حساساً في قلبه المحزون والمثقل بالوحدة.

عاد به إلى المنزل، وبدأ يقرأه بنهم شديد ليلاً ونهاراً، متجاوزاً عادته الصارمة في قراءة الكتب الثلاثة. وجد في طيات تلك الصفحات ضالته الحقيقية؛ فقد أدرك حقيقة غابت عن ذهنه طويلاً: العمر قصير جداً، والتواجد مع الناس ومعانقة الحياة أفضل بكثير من قضاء ما تبقى من العمر في معانقة الورق.

قرر، بشجاعة نادرة، أن يغيّر من طبيعته. قرر أن يتنازل عن كبريائه الثقافي، وأن يطوع شخصيته الموسوعية لتتلاءم مع دفء المجتمع وبساطته.

رحلة الاعتذار
أدرك عمر أن الخطوة الأولى هي الأصعب. أمسك بهاتفه، وبدأ رحلة شاقة للبحث عن أرقام أصدقائه القدامى.

كان الاتصال بكل واحد منهم يمثل مواجهة مع أشباح الماضي. تذكر كيف فرقتهم الحرب، وكيف قادتهم الاصطفافات الطائفية المقيتة إلى تبادل كلام شديد القسوة لا يُنسى بسهولة. ورغم خفقان قلبه وخشيته من الصد أو التجاهل، اتصل بهم واحداً تلو الآخر.

هذه المرة، لم يناقش، لم يجادل ليوضح مَن كان على صواب، ولم يبرر أفعاله. كان يكتفي بكلمات بسيطة وصادقة وتخلو من أي كبرياء: "أنا أعتذر... لقد أخطأت في حقك، واشتقت لأيامنا."

المفاجأة الكبرى
كان عمر يهيئ نفسه نفسياً لتقبل الرفض، أو لسماع ردود فعل غاضبة تعكس قسوة ما حدث في الماضي. لكن المفاجأة التي أدمعت عينيه هي أن 70% من أصدقائه قد سامحوه فوراً.

لقد اكتشف أنهم جميعاً، مثله تماماً، كانوا منهكين من قسوة الحرب وعزلة السنين، وكانوا بحاجة ماسة إلى من يمتلك الشجاعة ليمد غصن الزيتون الأول. كانت القلوب لا تزال تحمل ذكريات المحبة الخالصة التي سبقت سنوات الدمار المظلمة.

تكسر الجليد، وعادت اللقاءات، وصدحت الضحكات من جديد في مقاهيهم القديمة. عاد عمر ليكون محور أصدقائه وقلب جلستهم النابض؛ ولكن هذه المرة ليس بصفته الرجل الموسوعي الذي يتفوق عليهم بالمعلومات والمعرفة، بل بصفته الصديق الحكيم الذي أدرك أخيراً أن كسب قلوب الناس، أهم بكثير من كسب النقاشات.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا


.. فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل




.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا