الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
العراقي عصيُ على الموت والانحناء
امير وائل المرعب
ماجستير هندسة كهرباء جامعة بغداد ومهتم بالادب والشعر والفلسفة والعلوم والرياضيات
(Amir Wael Abdulamir Murib)
2026 / 5 / 3
الادب والفن
العراق عصي على الموت والانحناء - قصة قصيرة
في الثامنة والعشرين من عمره، كان "سنان" يمتلك روحاً أقدم بكثير من سنواته الشابة. تحت شمس الناصرية اللاهبة، وبين أطلال مدن سومر العظيمة التي شهدت فجر البشرية، كان يقضي نهاره في التنقيب بين ذرات التراب، وليله في خيمته المضاءة بمصباح خافت، يغوص في فك رموز الألواح الطينية. أمامه على طاولته الخشبية المتهالكة، تناثرت صور واستنساخات لنصوص من مكتبة "آشور بانيبال"، تلك المكتبة المهيبة التي جمعت حكمة العالم القديم.
كان يمرر أصابعه على الخط المسماري، كمن يعزف لحناً غائباً منذ آلاف السنين. كل نقرة مسمار في الطين كانت تهمس له بأسرار الآلهة، وقوانين الملوك، وأشواق العامة. وبمرور الأيام، وبينما كان يربط خيوط النصوص السومرية والأكدية والبابلية والآشورية ببعضها، بدأت تتشكل أمامه لوحة بانورامية مذهلة، وحقيقة أخذت أنفاسه وسمرت عينيه على الألواح.
أدرك سنان، بلغة الأرقام والتاريخ الصارمة، أن حضارات وادي الرافدين لم تكن مجرد فصول في كتاب التاريخ، بل كانت هي "الكتاب" نفسه. لقد استمرت هذه الحضارات لثلثي عمر الحضارة البشرية بأكملها. في هذه البقعة من الأرض أُسس كل شيء تقريباً: العجلة، الحرف الأول، المدرسة الأولى، القانون، الفلك، وحتى أول قصيدة حب.
لكن ما أثار قشعريرة الإعجاب في جسده لم يكن مجرد الأسبقية، بل تلك "المناعة الخارقة" التي امتلكتها هذه الأرض. لاحظ في حوليات الملوك ونصوص الرثاء نمطاً عجيباً؛ كلما هبت رياح الغزو والموت على هذه الأرض الخصبة من الشرق أو الغرب، ومن الشمال أو الجنوب، وكلما احترقت المدن وظن الغزاة أنهم طووا صفحة الرافدين إلى الأبد، كانت الأرض تبتلع دماء أبنائها وتنفض رماد الحروب، لتعود وتنهض أقوى وأكثر إشراقاً وشراسة من قبل.
هذه القاعدة انطبقت على سومر وأكد وبابل وآشور دون استثناء. لقد وثقت الألواح كيف أن العراق حكم العالم القديم بأسره ثلاث مرات، فارضاً إرادته وقوانينه وثقافته من جبال زاغروس وحتى سواحل البحر المتوسط.
وفجأة، توقفت عيناه عند نص بابلي قديم، وابتسمت شفتاه باتساع وهو يقرأ اسماً مألوفاً نُقش بالمسمارية: "بغدادو". لم تكن العاصمة بغداد وليدة العصور الوسطى الإسلامية كما يظن الكثيرون، بل كانت جذورها ممتدة ومغروسة بعمق في الطين البابلي، مدينة عريقة كانت تنتظر اللحظة التاريخية المناسبة لتتوج سيدةً لدنيا العباسيين.
أرجع سنان ظهره إلى الكرسي، ونظر من نافذة خيمته نحو الأفق الممتد حيث زقورة "أور" تقف شامخة تتحدى قسوة الزمن. في تلك اللحظة من التجلي العظيم، تذكر كلمات الشاعر المصري الكبير أحمد بخيت، التي رددها في سره كأنها صلاة وتلخيص لكل ما قرأه: **"العراق عصي على الموت والانحناء"**.
أدرك الشاب العراقي أن الجين الحضاري لم يمت في عروق أبناء الرافدين. من أول تشريع خطه الملك "أورنمو" لضمان العدل وحماية الضعيف، وحتى مخاض العملية الديمقراطية الحالية بكل تعقيداتها وتحدياتها، يبقى الجوهر واحداً. هذا البلد قد يمرض، قد يتعب، قد ينزف، لكنه أبداً لا يموت، بل يستريح قليلاً ليقوم من جديد، حاملاً شعلته التي أضاء بها العالم أول مرة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. صالون الأدب الوجيز- د. إلهام بوصفارة (ح 3)
.. شقيق أحمد جلال عبد القوى فى حضرة المتهم أبى يكشف تفاصيل رحيل
.. البروديوسر أميرة إسماعيل توضح تسلسلات الإنتاج الفني وكواليس
.. كواليس حفل أم كلثوم بباريس: يهودي قام بتنظيمه ونجم فرنسي أشه
.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_