الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ما الذي يجعل شيئاً ما حقًا من حقوق الإنسان؟

عزالدين محمد ابوبكر

2026 / 5 / 3
حقوق الانسان


إن التساؤل عن ماهية "الحق" ليس مجرد ترف فكري، بل هو بحث في جوهر الوجود الإنساني ذاته، فالحق في أصله اللغوي والوجودي يعني الثبوت والوجوب، وهو ما لا يسوغ إنكاره، وفي فقه القانون، يبرز الاختلاف بين "الحق" كقيمة مجردة، وبين "الحقوق" كامتيازات مقررة قانوناً، فبينما يمثل الحق مبدأً أخلاقياً متعالياً، تأتي الحقوق لتكون ما يمكن القول بأنها ”الترجمة“ الإجرائية التي تحمي المصالح الفردية، وتفرض التزامات على الآخرين، مما يجعل الحق رابطة وثيقة بين الحرية والمسؤولية تجاه الذات والآخر.

ويرى الفيلسوف جيرمي والدرون أن تعريف حقوق الإنسان بالتمثيل -أي عبر سرد القوائم- قد يوقعنا في خطأ منهجي؛ فمصطلح "حقوق الإنسان" عبارة معقدة تتجاوز مجرد سرد الألوان البسيطة، وإنها سردية تشرح كيف تتشابك مفاهيم "الحق" و"الإنسان" لتشكل معناً حقيقياً للكرامة، والحق هنا ليس مجرد منحة، بل هو حكم يهدف للحماية والتقييد في آن واحد؛ فهو يحمي مصلحة فردية جوهرية، وفي المقابل يفرض واجبات صارمة على من قد يهدد هذه المصلحة أو يهملها، لضمان استمرارية الوجود الإنساني الكريم.

بالانتقال إلى فقه القانون، نجد أن "جوزيف راز" يقدم طرحاً محورياً؛ حيث يرى أن الشخص يملك "حقاً" إذا كانت مصلحته الفردية سبباً كافياً لمطالبة شخص آخر (أو الدولة) بواجبات تجاهه، وهذه المصلحة قد تكون مادية أو مرتبطة بالحرية والكرامة، وهي لا تعتمد على رغبة الفرد فحسب، بل على الأهمية الوجودية لتلك المصلحة، وهنا تتقاطع الفلسفة الوجودية مع القانون؛ فالحق هو الأداة التي تضمن للإنسان القدرة على الفعل واختيار مساره في الحياة دون تغول من سلطة أو مجتمع.

وتكتسب حقوق الإنسان شرعيتها "الوجودية" من كونها حقوقاً "طبيعية" تسبق القوانين الوضعية، لكنها تكتسب فاعليتها من خلال "القانون الدولي"، وإن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، لم يبتكرا الحقوق، بل قاما بـ "تدوينها"، وهذا التدوين يحول الحق من فكرة فلسفية مجردة إلى التزام قانوني دولي متعدد الأطراف، مما يجعل انتهاك كرامة الفرد في أي بقعة من الأرض شأناً يمس الإنسانية جمعاء، ويستوجب الحماية القانونية العابرة للحدود.

وإن ما يجعل شيئاً ما حقاً من حقوق الإنسان هو قدرته على حماية "الاستقلال الذاتي" للفرد. فالحقوق ليست مجرد أدوات لتحقيق الرفاهية، بل هي شروط ضرورية لممارسة الإنسانية، فعندما يقرر القانون الدولي أن الحق في التعبير أو الحق في الحياة هو حق أصيل، فإنه يعترف بأن هذه المصالح تبلغ من الأهمية حداً يجعلها تسمو على المصالح الجماعية الضيقة، وإنها "أوراق لعب رابحة" بتعبير رونالد دوركين، تُستخدم لمواجهة أي تبريرات سياسية قد تحاول سحق الفرد تحت عجلة المصلحة العامة.

لكن، هل هناك اختلاف حقيقي بين "الحق" و"الحقوق" في فقه القانون؟

نعم، فالحق هو المبدأ الغائي، أما الحقوق فهي الوسائل القانونية.
والحقوق هي "المطالبات" التي يرفعها الفرد في وجه السلطة، وهي التي تمنح الفرد صفة "صاحب السيادة" على حياته، وهذا التمييز يجعلنا ندرك أن حقوق الإنسان ليست مجرد شعارات، بل هي بنية قانونية متكاملة تربط بين مصلحة الفرد وواجب الدولة، مما يخلق توازناً وجودياً يضمن فيه القانون ألا يتحول الإنسان إلى مجرد وسيلة لتحقيق غايات الآخرين.

وفي الوجودية الحقوقية (لا توجد حقيقةً، لكنها موجود!)، نجد أن الحقوق تعمل كدرع يحمي "الهشاشة الإنسانية"، وإننا كبشر معرضون للألم والظلم، ومن هنا تبرز ضرورة وجود معايير أخلاقية عالمية تتجاوز الثقافات المحلية، وحقوق الإنسان هي اللغة المشتركة التي يتحدث بها المظلومون في كل مكان، وإنها تعبير عن الرفض الوجودي لفكرة أن يكون الإنسان مادة للاستعمال، وتأكيد على أن كل فرد هو غاية في حد ذاته، يستحق الاحترام لذاته لا لمنفعته، وهو ما يجسده جوهر فلسفة القانون الحديثة.

وإن التداخل بين الأخلاق والقانون هو ما يعطي حقوق الإنسان قوتها، فبدون الأخلاق يصبح القانون أداة للقمع، وبدون القانون تظل الأخلاق مجرد أمنيات. لذا، فإن حقوق الإنسان في القانون الدولي تمثل "الأخلاق المقننة"؛ هي المحاولة البشرية الأرقى لتحويل قيم العدل والمساواة إلى واقع معاش، وإنها ليست مجرد نصوص في اتفاقيات، بل هي حصن يحمي التعددية البشرية ويسمح لكل إنسان بأن يكتب قصة حياته الخاصة بحرية، بعيداً عن الخوف والعوز والاضطهاد.

وإن الإجابة على سؤال "ما الذي يجعل شيئاً ما حقاً؟" تكمن في مدى ارتباط هذا الشيء بكرامة الإنسان. فكل ما هو ضروري لبقاء الإنسان ككائن حر وواعٍ ومسؤول، يجب أن يرتقي لمرتبة الحق، وإنها رحلة مستمرة من الوعي، تبدأ من الفلسفة وتنتهي بمنصات القضاء الدولي، وإن حماية حقوق الإنسان هي في جوهرها حماية لمعنى الحياة ذاته، وضمان لأن يظل هذا العالم مكاناً قابلاً للعيش، حيث السيادة فيه للعدل، والكرامة فيه حق لكل كائن بشري بلا استثناء.

بهذا المنطق السردي، ندرك أن حقوق الإنسان هي البوصلة التي توجه مسار الحضارة، وإنها ليست مجرد هبة من حاكم أو نتاج صدفة تاريخية، بل هي ضرورة وجودية تفرض نفسها على العقل والضمير والقانون، وإن وعينا بهذه الحقوق وفهمنا العميق لماهيتها هو الخطوة الأولى نحو عالم تسوده قيم الحق والخير والجمال؛ حيث يصبح الإنسان هو القيمة الأسمى، وتصبح الحقوق هي السياج الذي يحمي هذه القيمة من التبديد أو النسيان.

المرجع: جون تاسيولاس (محرر)؛ دليل كامبريدج لفلسفة القانون، ترجمة د. عبد الله الركف، الفصل الثامن: "الحقوق وحقوق الإنسان" بقلم جيرمي والدرون، الصفحات 231-236.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المقابلة | خالد محاجنة محامي هيئة الأسرى ونادي الأسير الفلسط


.. محكمة سودانية تصدر حكما بالإعدام على حميدتي و15 آخرين في قضي




.. العراق يتبنى مقاربة جديدة لمكافحة الفساد.. هل تنجح سياسة الت


.. تحذير من تزايد اعتماد الأطفال على الذكاء الاصطناعي.. اليونيس




.. اليونيسف تحذر من ارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال في ال