الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الـ3 من مايو اليوم العالمي لحرية الصحافة ومحتوى التفاهة والتافهين

رائد الجحافي
كاتب ومحامي

(Raed Al-jhafi)

2026 / 5 / 4
المجتمع المدني


في مثل هذا اليوم، 4 مايو حين يحتفي العالم بما يسمى حرية الصحافة، لا يبدو السؤال الحقيقي، ماذا حققت الصحافة، بل ماذا تبقى منها؟.. فالمناسبة ليست عيدا بقدر ما هي لحظة مواجهة مع واقع يعرفه كل من حمل قلماً ووقف في مواجهة سلطة او رواية جاهزة. وكما قال توماس جيفرسون، "لو كان علي ان اختار بين حكومة بلا صحف او صحف بلا حكومة، لاخترت الثانية"، وهي عبارة تختصر جوهر الفكرة، لكنها ايضا تكشف حجم المفارقة بين المثال والواقع..

ولدت حرية الصحافة بوصفها حقا أصيلاً في معرفة ما يجري، وهي لا تعتبر منحة من سلطة ولا امتيازا قابلا للسحب. غير ان هذه الفكرة، مع الزمن، تحولت في كثير من الأماكن الى مساحة شد وجذب بين الحقيقة وموازين القوة. وهنا تستعاد عبارة جورج أورويل الشهيرة، عندما قال، "الصحافة هي نشر ما لا يريد احد نشره، وما عدا ذلك فهو علاقات عامة"، وكأنها تصف بدقة اللحظة التي تتحول فيها الكلمة من اداة كشف الى اداة تلميع وتطبيل..

في جنوب اليمن، تبدو الصورة هنا أكثر حدة.. فالصحفي لا يواجه فقط صعوبات المهنة، بل يقف وسط تقاطع السياسة والسلاح والانقسامات.. يكتب وهو يدرك ان كل كلمة قد تفسر على اكثر من وجه، وان الخطر لا يكمن فقط فيما يقال، بل في الطريقة التي يستقبل بها. وفي مثل هذا المناخ، تصبح حرية الصحافة اختبارا يوميا، وليس مبدأ نظرياً..

المشكلة ليست في غياب النصوص، بقدر ما هي في غياب البيئة التي تمنحها معنى. فالقوانين التي لا تحرسها مؤسسات، تبقى كلمات معلقة، والحرية التي لا يسندها توازن، تظل فكرة جميلة بلا اثر. ولعل ما قاله فولتير يظل حاضرا هنا، "قد اختلف معك في الرأي، لكنني مستعد ان ادافع حتى الموت عن حقك في قوله"، وهي عبارة تبدو في كثير من البيئات اقرب الى الحلم..
وما يجري في جنوب اليمن ليس بعيدا عن حال العالم العربي، حيث تعيش الصحافة بين رقابة مباشرة واخرى غير معلنة. ومع الوقت، يتعلم الصحفي ان يقول نصف الحقيقة، او يؤجل نصفها الاخر. وهنا تكتسب مقولة ألبر كامو معناها العميق, "الصحافة الحرة قد تكون جيدة او سيئة، لكن من دون حرية لن تكون سوى شيء واحد: سيئة"..
على المستوى العالمي، تبدو الصورة مختلفة، لكنها لا تخلو من القلق. فالمشكلة لم تعد دائما في المنع، بل في اغراق الحقيقة بفيض من المعلومات، حيث تختلط الاخبار بالدعاية، ويصبح الوصول الى المعنى مهمة شاقة. وفي هذا السياق، يبرز تحذير والتر ليبمان حين قال، "حيث يفكر الجميع بالطريقة نفسها، لا يفكر احد كثيرا"، في اشارة الى خطر التماثل وسط الضجيج..
ثم جاءت التكنولوجيا لتضاعف هذا التعقيد. فوسائل التواصل التي وعدت بتحرير الكلمة، فتحت الباب ايضا امام فوضى غير مسبوقة، حيث تختلط المهنية بالارتجال. وأصبحت التفاهة والتافهين هم المحتوى الأجوف الأكثر قبولاً لدى المتلقي الذي يؤول نحو عقلية البلد والكسل، وفي هذه الفوضى، يجد الصحفي نفسه في مواجهة اصوات لا تخضع لقواعد ولا تتحمل مسؤولية، ما يعيد طرح السؤال القديم بشكل جديد.
ومع ذلك، تبقى الصحافة ضرورة. لكنها لم تعد كما كانت. لم تعد مجرد نقل للخبر، بل صارت بحثا عن معناه. لم تعد سباقا على السرعة، بل على العمق. وهنا يمكن استدعاء روح محمد حسنين هيكل الذي كان يرى ان "الصحافة ليست مهنة البحث عن المتاعب، بل مهنة البحث عن الحقيقة"، وهي جملة تختصر وظيفة الصحفي حين يكون في افضل حالاته..
من هنا، لا يبدو اليوم العالمي لحرية الصحافة مناسبة للاحتفال، إنما دعوة للمراجعة. فالحرية لا تقاس بعدد المنصات، ولكن تقاس بقدرة الصحفي على ان يقول ما يجب قوله، في الوقت المناسب، دون خوف أو تردد..

قد تكون المهمة صعبة، وربما مكلفة، لكن التاريخ يقول ان الصحافة لم تكن يوما عملا سهلا. كانت دائما مغامرة، يدفع اصحابها ثمنها. ومع ذلك استمرت، لان الحاجة اليها لم تتوقف..

ويبقى السؤال مفتوحا، هل نحن امام صحافة تقاوم لتبقى، ام امام عالم يتغير بسرعة تفرض عليها ان تعيد تعريف نفسها؟..

ربما يكون الجواب بين الاثنين. لكن المؤكد ان حرية الصحافة، في جنوب اليمن كما في العالم، لا تمنح جاهزة، ولا تحمى بالشعارات، بل تنتزع كل يوم بالكلمة التي تقال، مهما كان ثمنها، في ظل ازدحام شديد للمحتوى الفارغ من أدنى فائدة تذكر بما فيها الأخبار التي أضحى نقلها بشكل مشوه لا يقوم على أدنى معايير الخبر او أبعاده وتداعياته وعوامل حدوثه..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خليل الحية: سنواصل التحرك في كل المسارات من أجل غزة والضفة و


.. أراد المغربي #عبدالرحيم_فقير الحياة فقابلته الشرطة الإيطالية




.. الضفة الغربية.. فلسطينيون يروون للجزيرة تعرضهم للاعتقال بعد


.. جدري الماء يفتك بأطفال النازحين في غزة وسط تدهور الأوضاع الص




.. المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان توثق انتهاكات العدوان الإيراني