الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مؤسسة تُشاهد ولا تُحاسب: عندما يتحوّل الرصد إلى تبرير عن المفوضيةالعليا لحقوق الانسان في العراق
خليل إبراهيم كاظم الحمداني
2026 / 5 / 4حقوق الانسان
مؤسسة تُشاهد ولا تُحاسب: عندما يتحوّل الرصد إلى تبرير
عن المفوضيةالعليا لحقوق الانسان في العراق
باحث في مجال حقوق الإنسان
في لحظات الاحتجاج، تُختبر المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان: هل تقف بوصفها عيناً رقابية تُسمّي الانتهاك وتُطالب بالمحاسبة، أم تكتفي بدور المراقب الذي يصف ما يرى ثم يدعو الجميع إلى “التهدئة”؟
البيان الأخير الصادر عن المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق بشأن تظاهرات الفلاحين في بغداد يقدّم جواباً مُقلقاً: المؤسسة حاضرة ميدانياً… لكنها غائبة تأثيرياً.
من الرصد إلى الحياد المريح
يُسجَّل للبيان أنه أشار إلى وجود فرق رصد، ووثّق احتكاكات وإصابات، وذكّر—بصورة عامة—بحق التظاهر السلمي. غير أن هذا “الحضور الوصفي” يتوقف عند عتبةٍ حاسمة:
لا توصيف قانوني للواقعة، لا سؤال عن التناسب في استخدام القوة، ولا إحالة إلى المعايير الوطنية و الدولية الناظمة للحق في التجمع السلمي. يظل النص عالقاً في منطقة رمادية بين الوصف والتبرير الضمني.
لغة تُلطّف ولا تُحاسب
حين يكتفي البيان بالدعوة إلى “التهدئة” و“ضبط النفس”، فإنه يضع الضحية والجهة القائمة على إنفاذ القانون في ميزانٍ واحد، متجاهلاً أن معيار حقوق الإنسان ليس الحياد بين الطرفين، بل تحديد المسؤولية وفق القانون.
غياب المطالبة بتحقيق مستقل، أو جبر ضرر، أو مساءلة—إن ثبت الاستخدام المفرط للقوة—ليس تفصيلاً لغوياً، بل هو تعطيلٌ لوظيفة الحماية التي وُجدت المؤسسة لأجلها.
معيار بلا مرجعية
المؤسسات الوطنية لا تُقاس بنواياها بل بمدى امتثالها لمعايير التحالف العالمي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، كما تُفسَّر عبر أعمال اللجنة الفرعية للاعتماد.
في هذا البيان، تغيب الإحالة إلى التزامات العراق الدولية—ومنها ما يكرّسه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية—وتغيب معها أدوات “التكييف القانوني” التي تُحوّل الواقعة من خبرٍ إلى قضية قابلة للمساءلة.
اقتصاد الاحتجاج بلا حقوق
تظاهرات الفلاحين ليست مجرد “حدث أمني”، بل تعبير عن خللٍ في حقوق اقتصادية واجتماعية: مستحقات غير مدفوعة، سياسات تسويق زراعي، اختلالات بنيوية في دعم الإنتاج.
ومع ذلك، لا يربط البيان بين الاحتجاج والحق في مستوى معيشي لائق أو الحق في التنمية؛ فيفقد القدرة على تحويل الواقعة إلى ملف سياساتي بتوصيات محددة ومهل زمنية واضحة.
مؤسسة بلا أثر
ما الذي يترتب على هذا البيان؟
لا تحقيق مُطالب به، لا أرقام مُعلنة، لا جدول متابعة، ولا حتى مؤشرات لقياس التكرار. هكذا يتحوّل البيان إلى إدارة للخطاب لا إدارة للأثر. والمؤسسات التي تدير خطاب الأزمات دون أن تُنتج أثراً، تفرّط تدريجياً برصيدها لدى الجمهور.
من مرآة للنظام إلى أداة لمراجعته
المشكلة ليست حادثة واحدة، بل نمط: انتقال بطيء من الرقابة إلى إدارة التوازنات. وحين تصبح المؤسسة مرآةً للنظام أكثر من كونها أداةً لمراجعته، فإنها تُعيد تعريف دورها خارج روح المعايير التي أُنشئت على أساسها.
ما الذي ينبغي تغييره—الآن؟
1. التكييف القانوني الصريح
وضع توصيف واضح لأي استخدام غير متناسب للقوة، مع الإحالة إلى المعايير الوطنية والدولية ذات الصلة.
2. المطالبة بالمساءلة لا الاكتفاء بالدعوة
الدعوة إلى تحقيق فوري ومستقل، ونشر نتائجه، وجبر الضرر للمتضررين.
3. أرقام ومنهجية
إعلان عدد الإصابات، طبيعتها، مصادر التحقق، ومعايير التوثيق.
4. تحويل الحدث إلى سياسة
ربط الاحتجاج بجذوره: مستحقات الفلاحين، آليات التسويق، الجداول الزمنية للصرف، وتوصيات قابلة للقياس.
5. آلية متابعة علنية
تقرير لاحق خلال مدة محددة يبيّن ما الذي تغيّر—وما الذي لم يتغيّر—ولماذا.
خاتمة: القسوة الضرورية
ليس المطلوب من المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق أن تكون خصماً للسلطة، بل أن تكون ضميراً قانونياً لها.
لكن الضمير الذي يكتفي بالوعظ ويؤجّل المحاسبة، يتحوّل—مع الوقت—إلى شاهدٍ صامت.
إن كان لهذا المقال أن يكون قاسياً، فليكن بهذه الجملة:
المؤسسة موجودة… لكنها لم تُفعَّل بعد.
والتأخير في تفعيلها ليس حياداً؛ إنه كلفةٌ يومية تُدفع من حقوق الناس.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. العراق يغيّر قواعد مكافحة الفساد.. ماذا بعد القرار القضائي ا
.. الضفة تحت نار المستوطنين والاحتلال.. هجمات واعتقالات متواصلة
.. احتجاجات جنوب إفريقيا.. مطالب بترحيل المهاجرين واعتقالات واس
.. تفاصيل اعتقال خلية داعش المسؤولة عن تفجيرات دمشق الأخيرة
.. تقرير لهيومن رايتس ووتش.. -اللاجئون السودانيون في مصر يتعرضو