الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
سوريا: احتكار بناء الدولة
عبدالرحمن مطر
كاتب وروائي، شاعر من سوريا
(Abdulrahman Matar)
2026 / 5 / 4
مواضيع وابحاث سياسية
يحيلنا الحراك الواسع في سوريا، الى الإعتقاد بأن "الدولة"، في ظل الأزمات المعقدة، مقبلة على تحولات نوعية قريباً، لا تُعرف ملامحها على نحو يقين، لكن كثيراً من المؤشرات تدلّ عليها، متمثلة بسعي السلطة نحو ترسيخ مشروعها، عبر استراتيجية لا تضمن لها الاستمرار فحسب، وإنما في توليد آليات السيطرة التي تمكنها من إدارة الانتقال، عبر الأفكار والرؤى التي ترى فيها – من زوايتها هي - السبيل الأفضل، باستخدام المؤسسات الدستورية والشرعية، ومن ثم العمل لانتاج عقد اجتماعي ذي تماهٍ مع سلطة القوة القائمة، ومعبّرٍ عنها، دون أن يكون لقوى المجتمع المغايرة، أي دور فعّال وحقيقي في ذلك، حتى وإن استُغلّ "مجلس الشعب"، بوصفه منبر التشريع الوطني - وليس مصدر السلطة - لخدمة هذا الاتجاه، أي احتكار بناء الدولة السورية الجديدة. وهو ما يشكل دافعاً لإعمال التفكير حيال المستقبل، الذي تأخذ فيه السلطة دوراً متفرداً في صياغته.
أزمة، أم تحولات؟
قبيل إقرار القوانين، والتعديلات المقترحة بشأن إصلاح القضاء السوري، وهي الخطوة الموضوعية، في بلد خارج من "الاستبداد والحرب" مثل سوريا، شهدت البلاد مؤخراً، ما يشبه موجة اعتقالٍ، وبدء محاكمات لعدد من عناصر ورموز النظام الأسدي البائد. وفي الواقع فإن أول تساؤل يطرح نفسه هو عن "التوقيت الحرج" الذي أُطلقَ فيه هذا الإجراء دون أي مقدمات من قبل السلطات المعنية. لا يملك أحدٌ من خارج "نواة السلطة" أي جواب كافٍ، غير أن التكهنات، تبدو منطقية للغاية، بما فيها تلك التي تجنح للتبرير، أو التشكيك، بأنها تشكل استجابة للمطالب العامة بالعدالة الانتقالية.
لكن الذي لاجدال فيه، أن الخطوة جاءت في وقت بلغت فيه الاحتجاجات مرحلة تشير إلى أزمة حقيقية، تمثل اختباراً صعباً أمام الجمهور، وقد تتالت الأحداث منذ استعادة " البويضاني" بما يمثله من قاعدة شعبية وثقل عسكري، في ريف دمشق، في وقت تظهر فيه الحاجة الماسة، لتذويب الأجنحة والفصائل العسكرية في إطار وزارة الدفاع، وأن تحظى الأخيرة- بالفعل - بقوة " القرار، وإدارة القوى العسكرية" دون عوائق، كما هو الحال.
لا شئ في الواقع، محض صدفة، في ظل أي منظومة سياسية وأمنية حاكمة، ولاشك أيضاً في أن وزارتي الداخلية والعدل، تعملان بجهود استثنائية لجلب المتهمين بارتكاب الجرائم، الى المحاكم. لكن القبض على جزّارالتضامن "امجد يوسف" بالصورة التي جرت، يعزز فرضية استباق الاعتصامات التي دُعي إليها ذلك اليوم في حلب والرقة، ومدن أخرى، ليشكل "الاعتقال" تحشيداً وطنياً واسعاً لصالح السلطة، وإجهاضاً لحركات الإحتجاج المطلبي، في الوقت نفسه. الأمر ذاته، فيما يتصل بمحاكمة عاطف نجيب، برغم كل الملاحظات التنظيمية والقانونية، التي شابت تلك الجلسة. أي أن السلطة اتجهت نحو الاستحواذ على الفضاء العام، تعطيلاً لنهج "الشارع مقابل شارع"!
التحكم في الفضاء العام
يمثل التسريب المنتظم لتسجيلات "صيدنايا ومشفى تشرين" تطوراً آخر، بقدر الأهمية التي ينطوي عليها، في تعزيز سردية الإجرام الأسدي، فإنها تقود بالضرورة الى مزيد من تحريك الشارع لجهة التشدد، ليس في محاسبة المجرمين فحسب، وإنما أيضاً في تصليب سياسات السلطة، وشدّ إزرها، وتعويمها والدفاع عنها، وأيضاً فتح المجال واسعاً لتحميل مجتمعات سورية بعينها، وزر جرائم النظام البائد، وهو ما يتوجب ان نعمل على خفض التصعيد فيه، ما أمكن حفاظاً على الاستقرار الوليد، والهشّ بطبيعة الحال داخل البلاد، و الحيلولة دون استغلالها للنيل من أي فئة، او جماعة سورية.
إن ما يجري، هو - أيضاً - عملية أمنية وسياسية، تهدف للتحكم في المجال العام، تنتهجها السلطة. يبدو الإرباك واضحاً حيال التوترات الناجمة عن الاحتجاجات، وعن مواجهتها عبر العنف اللفظي، والكراهية السياسية. ومن الجليّ أن القدرة على كبح "الموالين" تبدو محدودة، لذلك فإن تلك التسريبات، والمحاكمات والاعتقالات، تشكل أداة مناسبة في الوقت الحالي، لتأطير قوى الشارع السوري، والتأثير به، وتوجيهه أيضاً. هي أدواتٌ، لا يتوجب استخدامها لأغراض سياسية.
إن الفضاء العام تشاركي، ويعدّ الاستيلاء عليه أو مصادرته، أو تحريمه على السوري " الآخر"، هو انتهاك لحقوق المجتمع، وحمايتها هي جزء من واجبات السلطة، وليس من مصلحتها أن تتحول الى طرف مغذٍّ لجمر الأزمات.
خارطة طريق
هل يبدو ما نقول تكراراً لما هو متداول؟ ربما هو كذلك. مناقشتنا لاتستهدف الإقلال من الجهود المبذولة، أو النيل من السردية الوطنية المتصلة بالجرائم المهولة التي حدثت في سوريا خلال نصف قرن مضى. لكنها محاولة للتفكيك وللفهم أكثر، بما يقود الى المساهمة في تمكين قوى المجتمع من الانخراط المعرفي بإدارة المرحلة الانتقالية، وأن تفرض حضورها ومساهمتها الطبيعية في حماية مشروع إعادة بناء الدولة، لما بعد الديكتاتورية الأسدية.
وإذا كانت مسألة السرديات، تبرز كواحدة من مشكلاتنا القائمة، حيث كل طرف يريد دحض سرديةٍ، بما يعزز روايته، في ظل القلق المعاش، فإنها تتبدى بمثابة امتحان كبير للسلطة، والتي يقع على عاتقها مسؤولية الشراكة، في حماية المجتمع من التفكك الذي يقود الى مزيد من الانقسام، طالما أن مشروع إعادة بناء الدولة يفتقد الى أهم أعمدته: الحوار والمشاركة الشاملة. وأجدني هنا أستعين بمقولة الباحث في علم الاجتماع الدكتور عبدالرحمن الحاج بأن " الفشل في بناء سردية مشتركة خطير، لأنه يؤدي إلى نشوء سرديات مضادة تهدد شرعية الكيان كله. بناء السردية الوطنية يتطلب استيعاب السرديات الفرعية، وبناء توافق تفاوضي على السردية العامة". وأضيف على ذلك، أهمية الاعتراف بها، كشرط لاستيعابها.
في السياق ذاته، يمكن للسلطة أن تساهم في امتصاص الاحتقان والغضب، عبر تشجيع المجتمع المدني على تنظيم نفسه، وتفعيل النقاش العام، وأن تكون السلطة جزءاً منه، لا مسؤولة عنه، او مشرفة عليه، وأن تستمع بجديّة الى الأصوات الناقدة، والمعارضة. هذا يفتح المجال واسعاً لإحداث تغيير نوعي في المزاج العام، ويمنح إحساساً بالمشاركة، وبالإعتراف بـ "المختلف" والقبول به. تجربة يمكن تطويرها والاستفادة منها في حل الإشكاليات الوطنية، وفي الاقتراب أكثر من نبض الشارع.
لعله من الواجب هو التوقف عن توظيف الإعلام ، كما هو الحال، والحفاظ على سرية التحقيقات، والامتناع عن تسريبات "الإعتراف" بما لا يثير "السرديات المتعددة" وبالتالي التأثير على مجرى العدالة. وأن تعمل السلطة جدياً لاعتماد الشفافية في إدارة المؤسسات، وفي طرح سياساتها العامة، والتي لا تزال تتسم بالغموض بما في ذلك التحكم بالفضاء العام، كما أشرنا، خاصة في ظل وجود معارضة منهكة ومتعبة ومشتتة، لا تملك أي مشروع بديل حتى الآن، ولاتوجد قوى سياسية ذات تيارات فاعلة. ما هو قائم هو جماعات، تلتقي حول افكار عامة تتمثل بمفاهيم "الديمقراطية، المواطنة، والدولة المدنية"، يتطلع اليها المجتمع السوري، بانتظار استعادة الحياة السياسية المأمولة، بعد مايزيد على نصف قرن من الديكتاتورية، والقمع، وخمسة عشر عاماً من التضحيات الجسام.
إن إعادة بناء سوريا الجديدة، يحتاج الى جهد جماعي ، بدءاً بإطلاق حوار وطني جديد، ومشاركة المجتمع الواسعة، بدون استثناء، وهذا يتطلب إرادة سياسية من السلطة، ومجتمع مدني نشيط.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حزب الله أمام اختبار جديد.. ماذا يحدث في روما؟ | #ستوديو_وان
.. تصعيد عسكري في هرمز.. اشتباكات بين واشنطن وطهران
.. تفشي إيبولا يخرج عن مسار التتبع.. وتحذيرات من اتساع رقعة الع
.. الجيش الكويتي: الدفاعات الجوية تتصدى لهجمات طائرات مسيرة معا
.. واشنطن والرهان على الحصار البحري لزيادة الضغوط على طهران