الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
إضاءة على الذاكرة الوطنية قراءة في كتاب (دراسات وبحوث في تاريخ العراق المعاصر) للدكتور عدنان سامي نذير بك الزرري
هشام الكيلاني
2026 / 5 / 4مواضيع وابحاث سياسية
إضاءة على الذاكرة الوطنية قراءة في كتاب
(دراسات وبحوث في تاريخ العراق المعاصر)
للدكتور عدنان سامي نذير بك الزرري
هشام الكيلاني
لا يقاس غنى الأمم بما تملكه من موارد فحسب، بل بقدرة أبنائها على تدوين ذاكرتهم وصونها من النسيان. وفي هذا السياق، تطل علينا القامة العلمية المرموقة، الأخ والصديق الدكتور عدنان سامي نذير بك الزرري، بمؤلفه الجديد الذي يحمل عنوان (دراسات وبحوث في تاريخ العراق المعاصر)، ليكون ليس مجرد كتاب تاريخي، بل وثيقة وفاء لمدينة الموصل وللعراق ، وصرحاً معرفياً يجمع بين دقة المنهج الأكاديمي وعمق الرؤية الوطنية.
وفي المكتبة التاريخية العراقية، تبرز أعمالٌ لا تكتفي بسرد الحوادث، بل تعيد بناء المشهد برؤية أكاديمية فاحصة.
وكتاب بك الزرري من الأعمال التي تستحق الوقوف عندها طويلاً، ، الذي يمثل عصارة جهد علمي تراكم عبر مسيرة تعليمية وبحثية حافلة في صلب اختصاص التاريخ المعاصر الدقيق.
لقد اختار الدكتور الزرري أن يضع بين يدي القراء والمتخصصين تسع دراسات نوعية، تتوزع بين الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ليرسم من خلالها صورة بانورامية للعراق في حقب مفصلية من تاريخه الحديث.
وكان السفر هذا ثمرة سنوات من البحث والتنقيب في بطون الأرشيفات، ليرسم بها لوحة متكاملة الأركان، تتشابك فيها خيوط السياسة بأعمدة الاقتصاد ونسيج المجتمع.
دشنها الزرري ببقعة ضوء وسلطها على مرآة المجتمع والسياسة حيث يفتتح المؤلف كتابه بالتركيز على "الصحافة الموصلية" إبان الاحتلال البريطاني، متخذاً من جريدة الموصل أنموذجاً للدراسة. ولم يكن التناول هنا سردياً، بل غاص في عمق القضايا الاجتماعية ومشاكل الأهالي، وكيف استطاع الحرف الموصلي أن يتصدى للقضايا الداخلية، ويفضح النشاط الصهيوني، بل ويمد بصره نحو الآفاق العربية والدولية، مكملاً هذا المشهد بدراسة غنية عن مجلة النادي العلمي.
فقد سلط الضوء على هذه المجلة ، كحاضنة للفكر التنويري الذي ميز النخبة الموصلية في تلك الحقبة.
ثم عرج قلمه الى طموحات الوحدة وتحولات السياسة الخارجية فقد وضع كتابه مساحة واسعة لـ المشاريع الاتحادية العربية (1942-1958) , راصداً أبعادها وصداها تحت قبة مجلس النواب العراقي. ومن خلال استعراض ستة مشاريع كبرى (من الهلال الخصيب وصولاً إلى الاتحاد العربي الهاشمي)، يضعنا المؤلف أمام خارطة الصراع السياسي والحلم الوحدوي الذي ميز تلك الحقبة. كما لم يغفل الكتاب عن تتبع الموقف العراقي، رسمياً وشعبياً، من السياسة الأمريكية تجاه العراق بين عامي (1958-1963)، مما يعكس وعي المؤلف بتشابك المصالح الدولية وتأثيرها على القرار الوطني.
ثم وثق الحركات الوطنية والعمق الاجتماعي وهي لفتة توثيقية هامة، تناول الدكتور الزرري دور الطلبة في الحركة الوطنية (1932-1948)، مؤكداً على أن الحراك الطلابي كان دائماً وقود الثورات والاحتجاجات العراقية. كما عاد للصحافة الموصلية مرة أخرى ليرصد دورها في قضية الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي في الخمسينيات، مما يبرز الدور التنويري لمدينة الموصل في صياغة الوعي التنموي.
ولأن العراق لم يكن يوماً بمعزل عن قضايا أمته فكانت القضية الفلسطينية والتخطيط الاقتصادي لم يغب البعد القومي عن ثنايا الكتاب، فقد وثق المؤلف دور "جمعية أصدقاء فلسطين العربية في باريس"، وموقف العراق المبدئي في المحافل الدولية تجاه القضية الفلسطينية عام 1948. وإلى جانب السياسة، كانت "لغة الأرقام" حاضرة بدراسة حول التخطيط الاقتصادي في العراق (1938- (1969 وهي دراسة تكتسب أهمية كبرى لفهم جذور التنمية في الدولة العراقية. واضعاً يد الباحث على جذور التحديات التنموية التي واجهت الدولة العراقية الحديثة.
وختم الدكتور الزرري كتابه بتسليط الضوء على الشخصيات الوطنية واللمسة الإبداعية التي تركت بصمة واضحة، فتناول الدكتور عبد الجبار الجومرد ودوره السياسي في حزب الجبهة الشعبية المتحدة. أما "مسك الختام"، للكتاب فكان وقفة أدبية تاريخية مع الشاعر الكبير معروف الرصافي وزيارته الشهيرة للموصل عام 1921، وما جادت به قريحته من قصائد خلدت عوائل المدينة وتاريخها.
حيث تعانق التاريخ بالأدب من خلال قصيدته التي خلدت عوائل المدينة وأصالتها، وكأن المؤلف أراد أن يقول إن التاريخ وإن كان علماً، فإنه لا يخلو من روح الشعر وجمال الذاكرة.
إن ما يميز هذا الكتاب ليس فقط تنوع موضوعاته، بل الانضباط المنهجي الصارم؛ حيث ذُيّل كل بحث بخاتمة مركزة وقائمة مصادر رصينة، مما يجعله مرجعاً لا غنى عنه للباحثين.
إن كتاب الدكتور عدنان سامي نذير بك الزرري هو تحية تقدير لتاريخ العراق، ودعوة للاستبصار في دروس الماضي من أجل فهم الحاضر، وهو إضافة نوعية تزهو بها المكتبة العربية، وجهد يُشكر عليه صاحبه الذي عودنا دائماً على التميز والدقة.
ثم نذكر قبل أن نختم مقالنا
إن هذا الكتاب الموسوم، بما يحتويه من قائمة مصادر ثرية وخواتيم مركزة لكل بحث، يمثل إضافة نوعية للمكتبة التاريخية، وهو برهان جديد على أن الدكتور عدنان سامي نذير بك الزرري يمتلك قلماً لا يكتب ليمحو، بل يكتب ليخلد. إنه كتاب يجمع بين "رصانة المؤرخ" و"شغف المحب" لمدينته ووطنه، ويستحق أن يكون في مكتبة كل من يسعى لفهم حقيقة العراق المعاصر.
________________________________________
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يوقع أمرا تنفيذيا يستهدف ما وصفه
.. هل كانت الولايات المتحدة على علم ببنود الاتفاق الإيراني العم
.. ما هي الخطوط الحمراء التي تتمسك بها واشنطن في الاتفاق المرتق
.. رويترز عن مسؤول أمريكي: سنرفع الحصار عن موانئ إيران فور الإع
.. ما أبعاد دخول السلاح الباكستاني خط المواجهة في السودان؟