الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
اول ناعور في التاريخ: سيمفونية الوجود على ضفاف الفرات
هندي الهيتي
2026 / 5 / 4قضايا ثقافية
لنتخيّل معًا، ونحن نقف اليوم على دالية نواعير قندي، كيف كان هذا المكان قبل أكثر من خمسة آلاف عام. كيف زُرعت أول نخلة في التاريخ؟ وكيف سُقيت تلك الفسيلة من ماء نهر الفرات، وهو يفصلها عنه عمقٌ سحيق يزيد على عشرة أمتار؟
كيف استطاع ذلك الإنسان الأول أن ينقل الحياة من قلب النهر إلى عروق تلك النخلة، لتبقى خضراء، تعطي رطبًا جنيًّا، وتستمر في العطاء إلى يومنا هذا؟ لنتأمل حال الأرض قبل أن يراود ذلك المبدع خاطرُ الزراعة، وقبل أن يبتكر وسيلة لنقل الماء من النهر "القريب البعيد".
لنتخيّل جدّنا الأول واقفًا وقفتنا هذه: النهر أمامه يتدفق، وخلفه فسيلة عطشى تذبل. كيف فكّر؟ وكيف جرّب؟ وكم استغرقه الأمر من محاولات وإخفاقات حتى توصّل إلى تشييد "الناعور الأول"، لينساب منه الماء عذبًا فيروي شجيرات النخل، وتين الهوى، والسفرجل، والتوت، وسائر الفواكه التي تجود بها أرض هيت قبل عصور سومر وأكد؟
لقد كانت الحيرة تملأ قلبه، وهو يرى الماء يجري في عمق الحوض، بينما فسيلته تكبر، ويزداد عدد جاراتها من الأشجار التي تعلّم زراعتها، حتى لم يعد قادرًا على سقيها يدويًا بصعوده ونزوله المستمر، في حركةٍ مضنية تستغرق نهاره وجزءًا كبيرًا من ليله.
كم من الوقت مضى، وذلك الجدّ المكافح يختبر الفشل تلو الآخر، حتى استقرّ على هذا التصميم الهندسي الفريد؟ هل فكّر في استخدام البكرة أولًا؟ أم كان ابتكار "عجلة الناعور" هو الشرارة الأولى التي غيّرت وجه الحياة؟
مهما تكن الرواية، فاليقين أن أجدادنا في هيت لم يصلوا إلى هذا المنجز إلا بعد أجيال من المحاولة. ولم يقف طموحهم عند اختراع العجلة، بل غاصوا في أسرار الطبيعة ليكتشفوا "النورة" ويطوّعوها في بناء أول "دالية" ثابتة، تقاوم تقلبات الزمن وتصمد في وجه التاريخ.
تخيّلوهم وهم يختبرون القير، والطين، والطين المفخور، والحجر المنحوت، حتى شيدوا بأيديهم تلك الصروح الحجرية الضخمة التي لا تزال قائمة تروي قصتهم. ولم يقتصر جهدهم على بناء الدالية التي يرتكز عليها الناعور، بل تدخلوا في توجيه جريان ماء النهر، ليصنعوا قوةً قادرة على إدارة الناعور؛ فوضعوا الأحجار على عرض النهر بشكل هندسي مدروس، يجلب الماء إلى الدالية من دون أن يعيق حركة المراكب.
سمّوا ذلك البناء "السُّكَّر"، وسمّوا فتحة الملاحة "الباب". وقد شُيّد هذا "السُّكَّر" بأحجار رُصفت على عرض المجرى من ضفة الدالية إلى الضفة الأخرى، في نهرٍ يزيد عرضه على أربعمائة متر. وقد قُلعت تلك الحجارة من مقالع بعيدة نسبيًا، وكُسرت ونُقلت بواسطة الحيوانات إلى جرف النهر، ثم نُقلت مرة أخرى بالشختور والبلم و"الكفّة" إلى مواقعها في عرض النهر.
ولكم أن تتخيّلوا آلاف الأطنان من الحجارة تُرصّ بتلك الوسائل البدائية، فتؤدي الغرض منها بإتقان. كم كانت ستستغرق هذه العملية لو أُنجزت في عصرنا الحديث، على يد شركات متخصصة بكل كوادرها وآلياتها ومخططاتها؟
ثم تخيّلوا أيّ شعورٍ غمر جدّنا الهيتي الأول، وهو يرى الماء ينساب بهدوء، ولأول مرة، في أول ساقية شُقّت من الناعور نحو الفسيلة. كيف كان وقع ذلك المنجز؟ ومن حضر ذلك الحدث المهيب؟
لقد رقص الجدّ فرحًا، وهو يسمع أول "سيمفونية" في التاريخ؛ ذلك الأنين الشجي الذي تصدره حركة الناعور، نغمٌ يمزج بين تعب السنين، وحزن الفقد، وزهو الانتصار الأخضر. وفي تلك الليلة، نام الجدّ أول ليلة هادئة بعد مسيرة شاقة من التفكير والتجربة، ليستيقظ في الصباح لا على عناء الصعود والنزول، بل على نغمات الناعور، وتغريد الطيور التي تراقصت على جانبي الترعة الجديدة.
أخيرًا...
ألا تتفقون معي أن اختراع الناعور من أعظم الابتكارات في التاريخ؟ وأن ولادة هذه العجلة الدوّارة في هيت كانت منعطفًا مهمًا في مسيرة الإنسان نحو تسخير الطبيعة؟ إن هيت، بلا شك، واحدة من المحطات المضيئة التي أسهمت في بناء حضارة الإنسان، وقدّمت له شريانًا من شرايين الحياة.
فرضيات
الفرضية الأولى: من "النضح" اليدوي إلى "الترعة" الأولى
تشير التقديرات إلى أن عملية السقي بدأت بمجهود فردي مضنٍ، حيث كان الإنسان ينقل الماء بآنية فخارية، صعودًا ونزولًا بين النهر والفسيلة. ومع نمو الأشجار وطيب ثمرها، ازداد الشغف بالزراعة، فزاد عدد الفسائل وعدد السقاة.
وبدلًا من إرهاق الجميع في الصعود والنزول، ابتُكر نظام "المناولة"، حيث اصطفّ الناس على مسافات متساوية، فيغرف القريب من النهر ويسلّم الإناء لمن يليه، حتى يصل الماء إلى الجذور. وعندما اتسعت المساحات، شقّ الإنسان أول "ترعة"، لتنقل الماء انسيابيًا بين النخيل.
لقد استمر هذا الكفاح سنين طويلة، بل قرونًا، مدفوعًا بحلاوة أول تمرة، وأول تينة تذوّقها، حتى تكلّل هذا الصبر بابتكار "الناعور"، الذي حمل عنه عناء السنين، وخلّد اسمه في سجل المبدعين.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لماذا يعزف الا?لمان عن الخدمة العسكرية؟
.. نافذة من لبنان| غارات إسرائيلية ورد على حزب الله.. إلى أين ي
.. لماذا استهدف الجيش الإسرائيلي منطقة علي الطاهر؟
.. ضحايا وأضرار إثر تبادل روسيا وأوكرانيا القصف
.. لا مفاوضات حالية بين واشنطن وطهران.. وعراقجي: لم نتخذ قراراً