الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
في حضرة المعنى: إسماعيل طه الجابري مؤرخًا يكتب التاريخ بنور الكشف
إسماعيل نوري الربيعي
2026 / 5 / 4قضايا ثقافية
في لجة الحيرة، أشرق في قلبي نورٌ لا يُطفأ، فاستنارت ظلمة الروح، وانقشعت سحب الشك، ليصبح كل شيء في عيني آيةً على الجمال المطلق." بهذا الافتتاح الذي ينهل من معين الكشف، يمكن أن نقترب من سيرة المؤرخ العراقي إسماعيل طه الجابري، لا بوصفه مجرد باحث في الوثيقة، بل بوصفه سالكًا في دروب المعنى، يرى التاريخ لا كأحداث متتابعة، بل كأنفاسٍ متصلة من الحضور الإلهي في الزمان. فالتاريخ عنده ليس سردًا لما كان، بل شهودٌ لما يتجلّى، وفرقٌ بين من يكتب الحوادث، ومن يقرأ فيها أسرار التقدير. وإذا كان ابن عربي قد قال "العالَم غائب ما ظهر قط، والله ظاهر ما غاب قط"، فإن الجابري قد جعل من الوثيقة بابًا للظهور، لا للحجب. فهو لا يتعامل مع النصوص التاريخية كأجسادٍ جامدة، بل ككائناتٍ حيّة، تسكنها الأرواح، وتنبض فيها مقاصد من سبقونا. ولذلك جاءت كتاباته محاولة دؤوبة لرفع الحجاب عن المعنى الكامن في الحدث، واستنطاق ما صمتت عنه الروايات. كلما ازددت منه قربًا، ازددت بحالي جهلًا، هي حيرةٌ تشبه المعرفة، ووقوفٌ عند بابٍ لا يُطرق إلا بالانكسار. في هذه الحيرة العارفة يمكن أن نقرأ مشروع الجابري في التوثيق الآني للحدث التاريخي، كما في عمله حول موسوعة فتوى الدفاع الكفائي. لم يكن هدفه مجرد تسجيل اللحظة، بل الإمساك بنبضها قبل أن يبرد، والتقاط روحها قبل أن تُختزل في سرديات لاحقة. فهو يدرك أن الحدث حين يُدوّن في لحظته، يكون أقرب إلى الصدق، وأبعد عن التحريف الذي تُدخله الأيدي اللاحقة وهنا يتقاطع منهجه مع قول ابن عربي "ما خُفِيَ الحق إلا لشدة ظهوره"، إذ يرى الجابري أن الحدث المعاصر، رغم وضوحه الظاهري، قد يكون أكثر غموضًا من الحدث البعيد، لأن كثرة الشهود تُربك الرؤية، وتعدد الأصوات يُغشي البصيرة. ومن ثم فإن التوثيق الآني ليس ترفًا منهجيًا، بل ضرورة معرفية، تحفظ للحدث نقاءه الأول.
"أُسِرَت روحي في قيد المحبة، فلا القلب يطلب فكاكًا، ولا العقل يرجو خلاصًا، لقد رضيت بأن أكون فانياً في محبوبي." هذه المحبة التي يتحدث عنها العارفون، نجد صداها في تعلق الجابري بتاريخ المدن المقدسة، ودوره في ثورة العشرين. فهو لا يكتب عن العلماء بوصفهم فاعلين سياسيين فحسب، بل بوصفهم أرواحًا حملت همّ الأمة، وتجسدت فيها معاني التضحية. وقد اعتمد في ذلك على الوثائق البريطانية، لا ليُعيد إنتاج رؤيتها، بل ليكشف ما غاب عنها، ويُظهر ما حاولت طمسه. إنه يمارس ما يمكن تسميته "التأويل المقاوم"، حيث يُعيد قراءة النص الاستعماري من داخله، مستخرجًا منه ما يُدين صاحبه. وهنا تتجلى حكمته في الجمع بين الوثيقة والرؤية، بين الدقة الأكاديمية والبصيرة العرفانية. تطوف النفس في ملكوت الصفات، طالبةً كشف الذات، وما الكشف إلا أن تدرك أنك لا شيء في كل شيء." بهذا المعنى، لا يرى الجابري نفسه مركزًا للمعرفة، بل وسيطًا لها. فهو يُخضع ذاته لمقتضيات البحث، ويجعل من التواضع العلمي شرطًا للفهم. ولذلك جاءت كتاباته بعيدة عن الادعاء، قريبة من الإنصات، كأنها تقول ما قاله ابن عربي "إذا طالبك أحد بالدليل والبرهان على علوم الأسرار الإلهية، فقل له ما الدليل على حلاوة العسل، فلا بد أن يقول لك هذا علم لا يحصل إلا بالذوق، فقل له هذا مثل ذاك." فالتاريخ عنده يُذاق كما يُقرأ، ويُحس كما يُفهم، وهو في ذلك يقترب من التصوف أكثر مما يبتعد، دون أن يفقد صرامته المنهجية. "أغلقت أبواب الذات، وخرجت من ضيق أنا إلى سعة هو، فكانت خلوتي هي المجمع، ونفسي هي المؤنس." في خلوة الباحث، حيث تتراكم الكتب وتتزاحم الوثائق، يجد الجابري مجمعه الخاص، حيث يلتقي الماضي بالحاضر، ويتحاور الغائب مع الشاهد. وقد تجلى ذلك في دراساته عن المجلات العلمية المحكمة، ودورها في النشر الأكاديمي، حيث لم يكتفِ بوصفها أدوات، بل نظر إليها كفضاءاتٍ لإنتاج المعرفة، ومجالاتٍ لتشكيل الوعي. إنه يدرك أن "الكتب ثمرات عقول الواضعين لها، وفي الثمرات طيب وخبيث، فانظر بأي ثمرة تغذي عقلك"، ولذلك كان حريصًا على نقد المحتوى، وتمييز الغث من السمين، في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وتكاثرت فيه المنابر.
"يا ساكن القلب، لا تتركني لتدبيري، فقد أتعبني الاختيار، وأرهقتني النفس، ولا راحة إلا في أنت. بهذا النداء، يمكن أن نفهم انشغاله بالدراسات الإسلامية، كما في بحثه عن اليابان في الدراسات الإسلامية، أو تحقيقه في مخطوط الرحلة اليابانية لهبة الدين الشهرستاني. فهو لا ينظر إلى الإسلام كهوية مغلقة، بل كأفق مفتوح، يتفاعل مع الآخر، ويُعيد تشكيل ذاته في ضوء اللقاء. وهنا يتجلى وعيه بأن "كل معرفة لا تتنوع لا يعول عليها"، وأن الانفتاح ليس تهديدًا، بل شرطًا للنمو. ولذلك جاءت أعماله جسورًا بين الثقافات، لا حواجز بينها. "من كوة الروح التي لا يراها غير الله، تسلل نور أيدني، فتبدلت وحشتي أنسًا، وتلاشت خطرات النفس أمام سطوة الحضور." هذا النور هو ما يقود الباحث في دروب الشك، ويهديه في متاهات النصوص. وقد بدا ذلك واضحًا في دراساته عن الشخصيات التاريخية، كالسيد محسن الأمين العاملي، حيث لم يكتفِ بسرد سيرته، بل حاول فهم نتاجه الفكري، وربطه بسياقه، واستنطاق أثره. إنه يكتب التاريخ بوصفه سيرة للأفكار، لا للأشخاص فقط، ويرى أن "الحكم نتيجة الحكمة، والعلم نتيجة المعرفة، فمن لا حكمة له لا حكم له، ومن لا معرفة له لا علم له." "في صمت التأمل، سمعت نداءً أزليًا، يقول لي قم، فقد قضي الأمر، ولا يبقى في الميدان إلا أثر من حب." هذا الأثر هو ما يبقى من المؤرخ بعد رحيله، وهو ما يسعى الجابري إلى ترسيخه في أعماله. فهو لا يكتب ليملأ فراغًا، بل ليترك أثرًا، يُعين من يأتي بعده على الفهم، ويُضيء له الطريق. وفي زمنٍ تتكاثر فيه الكتابات، وتتنافس فيه الأصوات، يبقى التميز رهين الصدق، والعمق، والقدرة على النفاذ إلى جوهر الأشياء. وهذا ما سعى إليه الجابري، مستلهمًا من روح العرفان، ومستندًا إلى صرامة العلم.
"لا تحتقر أحدًا أو شيئًا، فالله حين خلقه لم يحتقره." بهذه الحكمة، تعامل مع موضوعاته، فلم يُقصِ المهمش، ولم يُهمل الصغير، بل رأى في كل تفصيل مدخلًا إلى الكل، وفي كل جزئية مرآةً للكلي. ولذلك جاءت كتاباته غنية بالتفاصيل، دقيقة في التحليل، واسعة في الأفق. الكون مرتبط بالله مثلما يرتبط الظل بالإنسان." وهكذا يرى التاريخ، ظلًا للحقيقة الكبرى، لا ينفصل عنها، ولا يُفهم إلا بها. ومن هنا فإن دراسة التاريخ ليست مجرد معرفة بالماضي، بل سعيٌ لفهم الحاضر، واستشراف المستقبل، في ضوء سننٍ لا تتبدل. وفي الختام، يمكن القول إن إسماعيل طه الجابري قد قدّم نموذجًا للمؤرخ الذي يجمع بين العقل والقلب، بين الوثيقة والكشف، بين الصرامة والذوق. وهو في ذلك يقترب من روح ابن عربي، دون أن يدّعي مقامه، ويستلهم من حكمه، دون أن يُقلّد عباراته. "ما جف قلم عالم يستمد من بحر الحقائق." وهكذا يظل قلمه جاريًا، ما دام متصلًا بذلك البحر، يستقي منه، ويُفيض على من يقرأ، نورًا يهدي، ومعنى يُبقي، وأثرًا لا يزول.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لبنان بين حصر السلاح والتفاوض مع إسرائيل.. إلى أين تتجه الحك
.. حياة ذكية - آبل تستعير الذكاء الاصطناعي وأنثروبيك تحذر من مخ
.. 12 دولة أوروبية تطالب الاتحاد بدور استراتيجي أكبر في القطب ا
.. تحت ضغط بوتين.. هل تنجر بيلاروسيا إلى حرب أوكرانيا؟
.. نشرة إخبارية | نزوح أكثر من 100 ألف يمني جراء الحرب.. وإيران