الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
أدب الحرب والمقاومة في صالون أقلام
عصام الدين صالح
2026 / 5 / 5الادب والفن
﷽
يُعدّ أدب الحرب والمقاومة أحد أكثر الحقول الأدبية اتصالًا بجوهر التجربة الإنسانية في لحظات الخطر القصوى، حيث لا تعود الكتابة مجرّد فعل جمالي، بل تتحوّل إلى شهادة، وذاكرة، ومقاومة رمزية في وجه الفناء.
وقد ارتبط هذا الأدب تاريخيًا بالسياقات الاستعمارية وحركات التحرر الوطني، ولا سيما في التجربة الفلسطينية، التي شكّلت مع كتابات غسان كنفاني أحد أهم المنعطفات التأسيسية لأدب المقاومة العربي، بوصفه أدبًا يؤكد الوجود الإنساني في مواجهة محاولات المحو.
غير أن أدب الحرب والمقاومة، في تحوّلاته المعاصرة، تجاوز حدود الخطاب المباشر والتعبئة الأيديولوجية، ليتجه نحو ما يمكن تسميته «المقاومة الإنسانية» أو «المقاومة الوجودية»، حيث تُروى الحرب من داخل الإنسان: من منظور الطفل، واللاجئ، والمنفي، والذاكرة الفردية التي تحمل عبء الجماعة.
لم تعد البطولة مرتبطة بالفعل العسكري وحده، بل صارت متجلية في البقاء، والتذكّر، والقدرة على إعادة إنتاج المعنى وسط الخراب.
في هذا السياق، يكتسب أدب الحرب والمقاومة في صالون أقلام خصوصيته، إذ لم يُقدَّم بوصفه ملفًا موضوعيًا مغلقًا، بل تشكّل عبر نصوص إبداعية متنوّعة لأعضاء الصالون، رافقتها قراءات نقدية كشفت عن عمقها الفني والإنساني.
وقد أظهرت هذه التجربة أن الصالون لم يحتضن نصوصًا عن الحرب فحسب، بل أسهم في بناء وعي نقدي يقرأ الحرب بوصفها تجربة وجودية مركّبة.
من أبرز النماذج التي ناقشها الصالون[1] قصة «ما لا يموت» للكاتبة الفلسطينية عائشة أبو ليل، وهي قصة تنتمي بوضوح إلى أدب المقاومة الفلسطيني في صيغته الإنسانية الحديثة.
فالنص، الذي يتخذ من الطفل يوسف مركزًا سرديًا، لا يروي الحرب من موقع الضحية الخطابية، بل من موقع الشاهد الصامت الذي يحمل الذاكرة بدل من رحلوا.
وقد كشفت الدراسة النقدية[2] المصاحبة للنص عن تقاطع عميق مع تنظيرات غسان كنفاني، خاصة في ما يتعلّق بدور الأشياء الصغيرة (الكتاب، الدمية، المعطف، الكاميرا) بوصفها خلايا مقاومة تحفظ المعنى بعد موت الأجساد.
كما توقّف الصالون عند نصوص القصة القصيرة جدًا للكاتب الليبي حسين بن قرين درمشاكي، ولا سيما «رائحة البارود» و«أمة تاهت عن الحق»، حيث جرى تناولها من زاوية الذاكرة والفقد بوصفهما مدخلين لأدب الحرب والمقاومة.
وقد أظهرت القراءات النقدية[3] أن هذه النصوص لا تكتفي بتسجيل أثر الحرب، بل تحوّل الفقد الفردي إلى ذاكرة جمعية، وتُعيد طرح سؤال الخذلان والمقاومة في آن واحد، مستثمرةً التكثيف والإيحاء بوصفهما آليتين جماليتين لمقاومة النسيان.
وفي امتداد آخر لأدب الحرب، ناقش الصالون قصة «لاجئ» للكاتب عمرو زين، التي قدّمت نموذجًا لافتًا لتحوّل المقاومة من فعل سياسي مباشر إلى مقاومة فلسفية هادئة. فالحرب في هذا النص لا تُرى في مشاهد القصف، بل في الاغتراب، والمنفى، وإعادة تعريف الوطن والإنسان.
وقد أبرزت القراءة النقدية[4] للنص كيف يتقاطع أدب الحرب مع الأسئلة الوجودية الكبرى حول الموت، والنجاة، والكرامة الإنسانية في عالم مضطرب.
وتكشف هذه النماذج مجتمعة أن صالون أقلام لم يتعامل مع أدب الحرب والمقاومة بوصفه نوعًا أدبيًا منغلقًا، بل بوصفه أفقًا مفتوحًا لتجريب أشكال سردية ورؤى فكرية متعددة.
كما أن الدور النقدي الذي رافق هذه النصوص لم يكن تابعًا أو تزيينيًا، بل أسهم في تفكيك البنى الرمزية والفلسفية، وربط الإبداع بسياقه الإنساني والتاريخي.
ختامًا، يمكن القول إن تجربة صالون أقلام في أدب الحرب والمقاومة تمثل نموذجًا ثقافيًا مهمًا، لأنها أعادت الاعتبار للأدب بوصفه فعل مقاومة معرفية وإنسانية، لا تقل أثرًا عن أي شكل آخر من أشكال المواجهة.
لقد قدّم الصالون نصوصًا لا تصرخ، لكنها تبقى؛ لا ترفع الشعارات، لكنها تحفظ الذاكرة؛ وهو ما يجعل هذه التجربة إضافة حقيقية إلى المشهد الثقافي العربي المعاصر.
(1) نشرت الدراسة فى العدد الثانى من ابداعات ودراسات (أقلام ذهبية) مايو 2026
(2) عصام الدين أحمد صالح. (26 ديسمبر, 2025). جروب "هوامش على كتابات أدبية" على الفيسبوك. رمزية الخوف وتحوّلات الوعي في القصة القصيرة المعاصرة – نموذج طريق بلا عودة لمحمد كامل: https://www.facebook.com/share/p/1FJNMj6M7m/
(3) عصام الدين أحمد صالح. (19 سبتمبر, 2025). الذاكرة وأدب المقاومة في القصة القصيرة جدًا: مقاربة في نصوص حسين درمشاكي ("رائحة البارود" و"أمة تاهت عن الحق"). جروب "هوامش على كتابات أدبية" على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/17kwU3b1M2/
(4) عصلم الدين أحمد صالح. (12 ديسمبر, 2025). "ما لا يموت": أنطولوجيا البقاء تحت النار .. غسان كنفاني وعائشة أبو ليل. جروب "هوامش على كتابات أدبية" على الفيسبوك: https://www.facebook.com/share/p/1DPRRBDLdT/
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م
.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس
.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا
.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع
.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات