الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 2
بشرى الفكي
(Bushra Elfaki)
2026 / 5 / 5
مواضيع وابحاث سياسية
تشكل الدولة الإماراتية: من الاتحاد إلى الاندماج في النظام العالمي
لا تنشأ الدول دائمًا كنتاجٍ خطّي لتطور اجتماعي داخلي بحت، كما تُوحي السرديات الوطنية، إنها كثيرًا ما تتكوّن عند تقاطع إرادات محلية مع شروط دولية أوسع تفرض إيقاعها وحدودها. وفي حالة دولة الإمارات العربية المتحدة، لا يمكن فهم لحظة التأسيس في عام 1971 بوصفها مجرد اتحاد سياسي بين كيانات متجاورة، ولكن ينبغي قراءتها كاستجابة تاريخية لتحول عميق في بنية النظام العالمي، حيث كانت القوى الإمبراطورية التقليدية في طور الانكفاء، بينما كانت أنماط جديدة من الهيمنة تتشكل، أقل اعتمادًا على السيطرة المباشرة وأكثر اعتمادًا على الشبكات والتحالفات.
إن إعلان بريطانيا انسحابها من "شرق السويس" لم يكن حدثًا معزولًا، لقد كان جزءًا من إعادة ترتيب أوسع في النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. فقد تراجعت الإمبراطوريات الأوروبية، وبدأت الولايات المتحدة في ترسيخ نمط جديد من النفوذ يقوم على الشراكات الأمنية والاقتصادية بدلًا من الاستعمار المباشر. وفي هذا السياق، قيام الاتحاد الإماراتي كان أيضًا إعادة تموضع ضمن نظام عالمي يتغير، ولم يكن مجرد فعل سيادي داخلي. فالاستقلال هنا لم يعنِ القطيعة مع الخارج، كان يعني بالضرورة المرحلية، الانتقال من شكل من الارتباط المباشر إلى شكل أكثر مرونة، يُبقي الدولة داخل شبكة العلاقات العالمية، لكنه يمنحها هامشًا أوسع للحركة.
ومنذ هذه اللحظة، دخلت الدولة الناشئة في بنية النظام العالمي لا ككيان مكتمل، إنما كموقع يتشكل تدريجيًا وفق شروط السوق الدولية وتقسيم العمل العالمي. وقد أشار إيمانويل والرشتاين إلى أن الدول لا تبدأ من فراغ، إنها تنخرط منذ نشأتها في نظام عالمي يحدد أدوارها الاقتصادية والسياسية (Wallerstein, 2004). وفي هذا الإطار، كانت الإمارات منذ البداية مرتبطة بمنطق الطاقة والتجارة العالمية، لا فقط بحاجاتها الداخلية.
لعب النفط دورًا حاسمًا في هذا التشكّل، باعتباره أساسًا لبناء الدولة نفسها، وليس باعتباره موردًا اقتصاديًا فحسب. فقد أتاح تدفق العائدات النفطية تمويل البنية التحتية، وتطوير المؤسسات، وبناء جهاز إداري حديث، وتحقيق درجة عالية من الاستقرار الاجتماعي في فترة زمنية قصيرة. غير أن هذه الثروة لم تكن مستقلة عن النظام العالمي، إنها ظلت على الدوام جزءًا منه منذ اللحظة الأولى، حيث ارتبط استخراجها وتسويقها بالسوق الدولية، وتحولت الدولة إلى عنصر ضمن دورة التراكم الرأسمالي العالمي. وهنا تتجلى المفارقة الأولى، دولة تملك موارد هائلة، لكنها في الوقت نفسه تعتمد على السوق العالمية لتحديد قيمتها ومصيرها.
وقد بيّن ديفيد هارفي أن الرأسمالية تعمل على إدماج الموارد الطبيعية ضمن منظومة عالمية لإنتاج القيمة، بحيث تتحول الجغرافيا إلى جزء من منطق السوق (Harvey, 2003). وفي هذا السياق، لم يكن النفط مجرد ثروة وطنية، إنه كان بوابة لاندماج الدولة في النظام العالمي، ومصدرًا لعلاقات معقدة مع القوى الاقتصادية والسياسية الكبرى. ومن خلال هذه الموارد، استطاعت الدولة أن تُبنى بسرعة غير تقليدية، حيث لم يكن المجتمع هو الذي يفرض إيقاع الدولة، ولكن الدولة هي التي سبقت المجتمع في التشكّل المؤسسي. فقد تم إنشاء جهاز إداري حديث، وتوفير الخدمات الأساسية، وبناء بنية تحتية متقدمة، في وقت كان فيه المجتمع لا يزال في طور التحول. هذا النمط من البناء أنتج دولة قوية من حيث الإدارة، لكنها محدودة من حيث المشاركة السياسية، حيث أصبح الاستقرار قائمًا على مزيج من الرفاه الاقتصادي والسيطرة المركزية.
في هذا الإطار، تشكل نوع خاص من العقد الاجتماعي، حيث وفرت الدولة مستويات عالية من المعيشة والخدمات مقابل غياب التعددية السياسية الواسعة. ولم يكن هذا الترتيب نتيجة قرار داخلي فقط، إنه كان جزءًا من نمط أوسع في الدول الريعية التي تعتمد على الموارد الطبيعية لتمويل الدولة بدلًا من الضرائب، مما يقلل من الضغط الشعبي للمشاركة السياسية. وهكذا، تبلورت بنية دولة قادرة على الإدارة والتنفيذ، لكنها لا تستند إلى مشاركة سياسية واسعة.
في الوقت نفسه، ارتبطت الدولة منذ نشأتها بتحالفات استراتيجية، خاصة مع القوى الغربية، التي وفرت لها مظلة أمنية، وساعدت في إدماجها في النظام المالي والاقتصادي العالمي. هذا الارتباط لم يكن مجرد خيار تكتيكي، لقد كان جزءًا من معادلة الاستقرار، حيث تم تبادل الأمن والانفتاح الاقتصادي مع الحفاظ على نموذج سياسي داخلي مستقر. وهنا يظهر ما وصفه أنطونيو غرامشي بمنطق الهيمنة، حيث لا تقوم السيطرة فقط على القوة المباشرة، إنما على شبكة من العلاقات التي تجعل النظام مقبولًا ومُعاد إنتاجه (Gramsci, 1971).
ومع مرور الوقت، بدأت الدولة تدرك حدود الاعتماد على النفط، خاصة مع تقلبات الأسعار والتحولات في الاقتصاد العالمي. ومن هنا انطلقت عملية تنويع اقتصادي هدفت إلى إعادة تعريف موقع الدولة داخل النظام العالمي. لم تعد الإمارات تكتفي بدور المورد للمواد الخام، فقد سعت إلى أن تصبح مركزًا للتجارة والخدمات والاستثمار. وقد تجلى هذا التحول بوضوح في تجربة دبي، التي تحولت إلى عقدة في شبكات الاقتصاد العالمي، تعتمد على حركة رأس المال والبضائع والأشخاص.
هذا التحول لم يكن مجرد خيار اقتصادي، بمقدار ما كان إعادة صياغة لوظيفة الدولة نفسها. فبدلًا من أن تكون جزءًا من الاقتصاد العالمي بوصفها مصدرًا للثروة الطبيعية، أصبحت وسيطًا في تدفقات هذه الثروة. وقد أشار جيوفاني أريغي إلى أن مراكز التراكم يمكن أن تنتقل وتُعاد تشكيلها في فترات التحول العالمي (Arrighi, 1994)، وهو ما يفسر قدرة الإمارات على التحول إلى مركز اقتصادي يتجاوز حدودها الجغرافية.
وفي موازاة هذا التحول الاقتصادي، شهد المجتمع تحولًا ديموغرافيًا عميقًا نتيجة الاعتماد الواسع على العمالة الأجنبية. فقد أصبحت الدولة جزءًا من شبكة عالمية لحركة العمل، حيث يشكل العمال الوافدون غالبية السكان، ويؤدون دورًا أساسيًا في تشغيل الاقتصاد. هذا النموذج سمح بتحقيق نمو سريع، لكنه خلق أيضًا بنية اجتماعية معقدة تقوم على فصل واضح بين المواطنين والعمالة، وعلى توزيع غير متكافئ للحقوق والفرص. وهكذا، لم تعد الدولة مجرد كيان سياسي تقليدي، لقد أصبحت عقدة في شبكة عالمية معقدة من رأس المال والعمل والتجارة. هذا التداخل بين المحلي والعالمي هو ما يميز تشكل الدولة الإماراتية، ويجعلها نموذجًا لفهم تحولات الدولة في عصر العولمة.
في النهاية، لا يمكن فهم تشكل الدولة الإماراتية بوصفه قصة وطنية مستقلة، ولكن يجب فهمها كجزء من تاريخ أوسع، هو تاريخ تشكل النظام العالمي الحديث. فقد وُلدت الدولة داخل هذا النظام، واندمجت فيه منذ البداية، واستفادت من فرصه، لكنها في الوقت نفسه أصبحت خاضعة لشروطه. ومن هذا الموقع تحديدًا، ستبدأ لاحقًا في محاولة إعادة التفاوض على دورها، ليس فقط كدولة مندمجة، إنما كفاعل يسعى إلى التأثير في مسار النظام نفسه. وهنا، ينتقل السؤال من كيف تشكلت الدولة، إلى كيف أعادت تعريف موقعها.
قائمة المراجع
Wallerstein, I. (2004). World-Systems Analysis: An Introduction. Duke University Press
Harvey, D. (2003). The New Imperialism. Oxford University Press
Arrighi, G. (1994). The Long Twentieth Century. Verso
Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks. International Publishers
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. رئيس الوزراء الإسباني يزور الجزائر يوم الإثنين
.. حصار الطاقة الأمريكي يشل شوارع كوبا ويدفع السكان لخيارات بدي
.. بعد الهجوم الإيراني.. الكويت تعلن إصابات في الجيش وأضرارا بم
.. من الدبلوماسية إلى الحرب.. لماذا فشلت مذكرة التفاهم بين واشن
.. بين مؤيد ومعارض.. قراءة في دوافع فرنسا وإنجلترا لمباراة تحدي