الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الماتريدية

عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث

2026 / 5 / 5
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


فِرقة ظهرت في مدينة سمرقند الواقعة في أوزبكستان، أسسها أبو منصور الماتريدي، في أوائل القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي).
تميزت مرحلة ظهورها باتساع المناظرات العقدية والفكرية، بعد ظهور فِرق المتكلمين وبشكل خاص المعتزلة والجهمية، ودخول الفلسفات الأجنبية، وبالذات اليونانية، إلى فضاءات الفكر العربي آنذاك.
يقوم منهج الماتريدية على الجمع بين العقل والنقل، حيث قالوا بإمكان معرفة المطلق المتعالي بالنظر والاستدلال. ويميز أتباع هذه الفِرقة بين ما يُدرك بالعقل، وما يُعرف بالسماع. بالعقل يُستدل على المسائل العقلية بحسبهم، أما السمعيات فتلك التي لا تُعرف إلا عن طريق الوحي، مثل اليوم الآخر وأحوال الجنة والنار .
بخصوص الصفات الإلهية، يثبت الماتريدية عددًا منها، مثل القدرة والارادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، ويضيفون إليها صفة التكوين. أما الصفات الخبرية كالاستواء والنزول والوجه واليد، فيميل كثيرون من فقهائهم إلى التأويل بشأنها، وبعضهم يُفوِّض معانيها مع الايمان بها دون الخوض في الكيفية. الايمان بمنظورهم تصديق بالقلب، ومنهم من يضيف إلى ذلك الاقرار باللسان. وبشأن الأعمال، فهي عندهم ليست جزءًا من حقيقة الايمان، بل من ثمراته ونتائجه. على أرضية هذا الاعتقاد، تبلور قولهم إن الايمان من حيث الأصل لا يزيد ولا ينقص. لا تُكَفِّر الماتريدية المسلم بالمعصية ما لم يستحلها، ويرون أن صاحب الكبيرة يظل مُسلمًا ويُترك أمره إلى يوم القيامة.
في مسألة القضاء والقدر، يقولون بأن أفعال العباد بمشيئة المطلق المتعالي، لكنهم يثبتون للانسان قدرة واختيارًا يقع بهما الفعل. لذا، استخدموا مفهوم الكسب في تفسير علاقة الفعل الانساني بقدرة الله تعالى.
وقالوا بالحُسنِ والقُبح العقليَّيَن، بمعنى الإقرار بقدرة العقل على ادراك حُسن بعض الأفعال كالعدل والصِّدق، وقبح بعضها كالظلم والكذب.
حاولت الماتريدية التوفيق بين رؤى أهل السنة والجماعة في الاعتقاد، ونظيرتها لدى كل من المعتزلة والجهمية.
بمنظور التحليل العلمي من وجهة نظرنا، في سياقات مرحلة نشأة الماتريدية، تبدو هذه الفِرقة وكأنها تُعلي شأن العقل على حساب النقل. والصحيح أنها اتخذت نهج التوازن بينهما في سياقات الضرورات السياسية آنذاك، من أجل تثبيت استقرار الدولة العباسية واضفاء الشرعية الدينية على الطبقة الحاكمة في تلك الآونة. ولا بد لتحقيق هذا الهدف من تأويل عقلاني للعقيدة، يجمع بين النص الديني والمصلحة.
مقصود القول، استدعت ظروف المرحلة التاريخية تطويع النص الديني لتكييف الدين مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية في تلك الحقبة من خلافة العباسيين. والهدف المُتَغَيَّا، ضمان التفاف الناس حول السلطة الحاكمة بقناع الدين وختمه.
مثال للتوضيح أكثر، نجده في قول الماتريدية إن الثواب العقاب بإرادة الله، لكنهم في موازاة ذلك تركوا للعقل مساحة في ادراك الأمور. وبذلك، يُقرون بأن الثواب والعقاب يترتبان على أفعال اختيارية أيضًا. في التطبيق السياسي لهذا الاعتقاد وما ينبني عليه في خدمة السلطة الحاكمة، الاقرار بأن الفرد مسؤول عن أفعاله. وهو ما يدفعه إلى الانصياع والامتثال المجتمعي، لجهة تخويف الناس من الاحتجاج والانتفاض ضد الظلم والعسف والقهر.
النتيجة المطلوب بلوغها برداء الدين كي لا يناقش فيها أحد، اقناع الكادحين والمهمشين أن بؤسهم وفقرهم قضاء وقدر إلهيَّيَن، لكنهم بالمقابل مسؤولون تحت طائلة العقوبة عن بعض ما قد يُقدمون عليه من ردود فعل احتجاجية.
وما يزال الدين يُستخدم على هذا النحو وغيره من ضروب التوظيف في خدمة الأنظمة و"شرعنة" سياساتها بختم المقدس، حتى يوم الناس هذا في بلداننا العربية.
الحل، الدين شأن تعبدي معتقدي خاص مكانه دور العبادة، ولا بد من إعادته إلى وضعه الطبيعي هذا وإخراجه من ملعب السياسة نهائيًّا والنأي به عن التدخل في شؤون الاجتماع الانساني. هذا التحول التاريخي، تأكد من تجارب المتقدمين أنه أحد أهم روافع التقدم والنهوض وضمان استقرار المجتمعات. وفيه ضمانة أكيدة، لتحرير المُقَدَّس (الدين) من سطوة المُدَنَّس(السياسة) والزج به في لعبة المصالح وبعض مسالكها الوعرة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سرديات أونلاين | المقدسات المسيحية في فلسطين ولبنان تحت نيرا


.. هل القاضي مقيد بالمذهب الحنفي في مشروع قانون الأحوال الشخصية




.. 10-Unless they associate others / Yusuf / 100 - 111


.. نجاة عبدالحق لـ«المصري اليوم»: معظم يهود مصر لم يهاجروا لإسر




.. جلالة الملك ينيب سمو الشيخ عبدالله بن حمد لحضور الاحتفال بمر