الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حق التظاهر: بين الاعتراف الشكلي والتقييد العملي

أحمد سليمان
شاعر وباحث في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)

2026 / 5 / 5
المجتمع المدني


في أي نظام قانوني، لا يُقاس احترام الحريات بما يُكتب في النصوص، بل بما يُتاح فعليًا في الواقع. من هذا المنطلق، يثير البلاغ الأخير الصادر عن وزارة الداخلية في سوريا بشأن تنظيم التظاهر السلمي سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام تنظيم لحق قائم، أم إعادة تعريف له بشكل يجعله خاضعًا لموافقة السلطة؟

ينطلق البلاغ من تأكيد دستوري على حماية حرية التظاهر، وهي نقطة تُحسب له من حيث الشكل. غير أن هذا الاعتراف يتراجع سريعًا عند الدخول في التفاصيل الإجرائية، حيث يتحول الحق إلى مسار إداري مشروط بترخيص مسبق. هنا تحديدًا تكمن الإشكالية: فحين يصبح التظاهر مرتبطًا بقرار جهة إدارية، ينتقل من كونه حقًا أصيلًا إلى نشاط مرهون بالإذن.

هذا التحول لا يمكن اعتباره مسألة تنظيمية فحسب. فالفارق بين “الإخطار” و”الترخيص” ليس لغويًا، بل يعكس فلسفتين مختلفتين: الأولى تفترض أن الحق قائم ويحتاج إلى تنظيم، بينما الثانية تفترض أن المنع هو الأصل، والسماح هو الاستثناء. وبالنتيجة، يصبح الباب مفتوحًا أمام رفض الطلبات دون وجود معايير دقيقة وملزمة.

يزداد هذا الإشكال وضوحًا مع استخدام مفاهيم عامة مثل “النظام العام”، دون تعريف محدد لها. مثل هذه العبارات، في غياب ضبط قانوني واضح، تمنح الإدارة مساحة واسعة للتأويل، ما يجعل القرار النهائي أقرب إلى التقدير منه إلى التطبيق الموضوعي للقانون، ويضعف من قابلية التنبؤ القانوني.

ولا يقتصر الأمر على مرحلة الترخيص، بل يمتد إلى ما بعدها. فالبلاغ يمنح وزارة الداخلية صلاحية إنهاء المظاهرة في حال رأت أنها تجاوزت شروط الترخيص أو أخلّت بالنظام. الإشكالية هنا أن الجهة التي تمنح الإذن هي نفسها التي تقرر سحبه، دون وجود آلية رقابة فورية ومستقلة، ما يخلّ بالتوازن المطلوب بين سلطة الدولة وحقوق الأفراد.

مسؤولية المنظمين وحدودها:

ومن النقاط الأكثر إثارة للجدل تحميل الجهة المنظمة مسؤولية “منع كل قول أو فعل مخالف”. هذا الالتزام، بصيغته الحالية، يتجاوز حدود المعقول عمليًا، إذ لا يمكن لأي جهة منظمة أن تضمن السيطرة الكاملة على سلوك جميع المشاركين. وبهذا، يمكن لأي تصرف فردي أن يتحول إلى مبرر قانوني لإنهاء المظاهرة أو مساءلة منظميها، وهو ما يخلق أثرًا ردعيًا واضحًا.

أما النص الذي يعتبر أي تجمع غير مرخص من قبيل “الشغب”، فيؤدي عمليًا إلى إلغاء التظاهرات العفوية، التي تشكل أحد أهم أشكال التعبير المباشر في المجال العام، خاصة في الحالات الطارئة. وبدل استيعاب هذا النوع من التجمعات ضمن إطار قانوني مرن، يتم وضعه ضمن دائرة التجريم، ما يحدّ من ديناميكية الفضاء العام.

مقاربات إقليمية وسياق أوسع:

لا تبدو هذه الإشكاليات معزولة عن السياق الإقليمي، إلا أن المقارنة مع دول قريبة تُظهر فارقًا في المقاربة القانونية. ففي لبنان، ورغم هشاشة الإطار المؤسسي، تُمارس التظاهرات بقدر أعلى من الحرية الفعلية، بما في ذلك التجمعات العفوية. أما في تركيا، فالقانون يقوم نظريًا على مبدأ الإخطار، وإن كانت الممارسة تشهد قيودًا متكررة تحت ذرائع أمنية. في الحالتين، ورغم ما يعتريهما من نواقص، يبقى الأصل القانوني هو إتاحة التظاهر، لا اشتراط الإذن المسبق، وهو ما يبرز الفارق الجوهري مع المقاربة التي تجعل ممارسة هذا الحق مرهونة بقرار إداري مسبق.

ولا يمكن فصل تنظيم حق التظاهر عن السياق الأوسع للفضاء العام، إذ إن غياب قانون واضح ينظم عمل الأحزاب السياسية، وبطء تفعيل الأدوار التشريعية والرقابية لمجلس الشعب، إلى جانب تداخل أدوار غير مدنية في بعض مجالات الحياة العامة، يجعل من تنظيم التظاهر ليس مجرد إجراء تقني، بل جزءًا من رسم حدود مسبقة لممارسة العمل المدني برمته. وهو ما يعزز الانطباع بأن تنظيم الحق لا ينفصل عن طبيعة البيئة السياسية التي يُمارس فيها.

في المحصلة، لا يكمن الخلل في وجود إطار قانوني ينظم التظاهر، فذلك أمر مشروع وضروري. إنما الإشكالية في طبيعة هذا الإطار وحدوده. فحين تُصاغ القواعد بطريقة تجعل ممارسة الحق مرهونة بالموافقة المسبقة، وقابلة للتقييد الواسع، فإن التنظيم يتحول إلى أداة ضبط، لا إلى وسيلة حماية.

الحق الذي يحتاج إذنًا مسبقًا يفقد جوهره، ويصبح أقرب إلى امتياز قابل للسحب في أي لحظة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نادي الأسير الفلسطيني: عسكرة السجون الإسرائيلية تهدد حياة آل


.. هل يواجه نتنياهو خطر الاعتقال في أميركا؟ | #ستوديو_وان_مع_فض




.. اعتقالات وهدم منازل وتشريد عائلة خلال تصعيد إسرائيلي بالضفة


.. تصعيد إسرائيلي في الضفة.. اعتقالات وإخطارات هدم وإحراق مسجد




.. أكاديمي سوداني: نعيش تجارة بملف اللاجئين في السودان