الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بغداد وإقلیم کردستان: وعود موسمیة وأزمات مزمنة

جبار قادر

2026 / 5 / 5
القضية الكردية


مرةً أخرى، تعود الماكينة الإعلامية في إقليم كردستان لتتحدث عن "لقاءات مثمرة" و"أجواء إيجابية بين المكلّف بتشكيل الحكومة في بغداد والقيادات الشیعیة من جهة والمسؤولین الكرد من جهة أخری. تُعاد نفس العبارات، وتُستنسخ ذات الوعود مثل حل أزمة الرواتب، المادة ١٤٠، تسوية الملفات العالقة، ضمان حقوق قوات الپيشمرگة، وتثبيت الشراكة السياسية. لكن الحقيقة التي لم يعد بالإمكان تجاهلها هي أن هذه الأسطوانة تُعاد منذ أكثر من ربع قرن، دون نتائج حقيقية توازي حجم التوقعات أو المعاناة.
من زاوية الرؤية الكردية، لم تعد المشكلة مجرد تعثر في التفاهم أو تعقيد إداري، بل هي نهج متكرر تمارسه بغداد قائم على تهميش الإقليم، والحد من صلاحياته، وإضعاف تجربته السياسية والاقتصادية. هذا النهج لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ذهنية مركزية متجذرة، ترى في أي شكل من أشكال اللامركزية تهديدًا لوحدة الدولة العراقیة، رغم أن التجربة أثبتت أن هذه المركزية المفرطة كانت أحد أبرز أسباب الأزمات والکوارث التي عصفت بالعراق لعقود طویلة ولا زالت.
أزمة الرواتب ليست مجرد ملف مالي عالق، بل مثال صارخ على استخدام الأدوات الاقتصادية للضغط السياسي. حين تُربط حياة الموظف الكردي بقرارات متقلبة في بغداد، فإن الرسالة تتجاوز الجانب الإداري لتصل إلى مستوى الإخضاع السياسي. ومع كل تأخير أو أزمة، يُعاد إنتاج القلق نفسه، وتُستنزف ثقة المواطن بمؤسسات يفترض أن تحميه لا أن تضعه في دائرة الابتزاز والعقاب الجماعي.
أما ملف الپيشمرغة، فرغم وضوح دورها کجزء من منظومة الدفاع العراقیة في حماية الإقليم ومساهمتها في محاربة الإرهاب، إلا أنه لا يزال يُتعامل معه بعقلية الشك والمحاصرة والحرمان من الحقوق المالیة والتجهیزاتية. فبدلا من دمج هذه القوة ضمن منظومة دفاع وطني واضحة بشراكة حقيقية، يتم إبقاؤها في منطقة رمادية تُستخدم كورقة تفاوض، لا كجزء من حل استراتيجي لأمن البلاد.
وفي ما يتعلق بالمشاركة في الحكم، فإن الخطاب الرسمي يتحدث عن "شراكة"، لكن الممارسة الفعلية كثيرًا ما تعكس تقليصًا لدور الكرد في مراكز القرار. وتتحول المشاركة إلى مناصب محددة في معادلة محاصصة، بينما تبقى القرارات الجوهرية خاضعة لمراكز القوى الشیعیة التي تؤمن بمنطق الهيمنة المركزية أكثر من إيمانها بالتوازن الوطني.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا تتعثر الاتفاقات؟ بل، هل هناك أصلًا إرادة حقيقية في بغداد لبناء شراكة متوازنة؟ التجربة الطويلة تشير إلى أن ما يُطرح غالبًا هو حلول مؤقتة تُستخدم لتمرير مراحل وصفقات سياسية، لا لمعالجة جذور المشكلة. وبعد أسابيع أو أشهر، تعود الأزمة بشكل أكثر حدة، وكأن شيئًا لم يكن وتبدأ المناکفات والهجمات الإعلامیة المتبادلة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الرهان على تغيير سلوك بغداد دون تغيير قواعد اللعبة هو رهان خاسر. الاستمرار في الدخول في نفس الدوامة، بنفس الآليات، وبنفس الثقة غير المبررة، يعني ببساطة إعادة إنتاج الفشل. وفي المقابل، فإن استمرار الذهنية المركزية في إدارة الدولة لم يجلب للعراق سوى الأزمات، وأبقاه في ذيل مؤشرات التنمية والرفاه.
من هنا، يصبح من المشروع طرح تساؤل جريء: إلى متى سيبقى إقليم كردستان ينتظر حلولًا لا تأتي؟ ومتى يتم الانتقال من سياسة رد الفعل إلى بناء خيارات استراتيجية بديلة تضمن الاستقرار والكرامة الاقتصادية والسياسية لسكان الإقليم ومعهم المواطنون العراقیون جمیعا؟
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب قبل كل شيء وضوحًا في تشخيص المشكلة، ليست أزمة تفاهم عابرة، بل خلل بنيوي في شكل الدولة وإدارتها. كما يتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، سواء عبر فرض آليات تنفيذ ملزمة لأي اتفاق، أو إعادة النظر في طبيعة العلاقة مع بغداد بما يضمن حقوق الإقليم بشكل لا يقبل التأويل أو التسويف.

لقد ملّ الناس من الوعود، وتعبوا من الانتظار. وما لم يحدث تحول حقيقي في طريقة إدارة هذا الملف، فإننا سنبقى ندور في نفس الدائرة، اتفاقات مؤقتة، أزمات متكررة، ومواطن يدفع الثمن في كل مرة. الفرق الوحيد هو أن الوقت يمضي، لكن الثقة تتآكل، ومعها تتآكل فرص بناء دولة متوازنة وعادلة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تقرير حقوقي يرصد أوضاعا قاسية داخل أكبر مركز لاحتجاز المهاجر


.. أخبار الصباح | رسالة عاجلة من الأمم المتحدة.. أوقفوا الحرب ق




.. من رماد الحرائق إلى الإعمار.. إسبانيا تتحرك لإغاثة متضرري إق


.. الرابعة | انفجارات في مدن إيرانية.. وعُمان تؤكد التزامها بات




.. بعد حكم أوروبي.. بولندا تعترف إداريا بزواج المثليين المبرم ف