الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الناقد السينمائي علي الحسن؛ دفتر الضمان… حين يصير الأمل وصفةً لا تُصرف
إسماعيل نوري الربيعي
2026 / 5 / 6كتابات ساخرة
أما بعد، فإن الحديث عن العافية في بلادٍ يفيض ترابها نفطًا، كمن يطلب الماء من السراب، أو يستنجد بالظل في قيظٍ لا يُبقي ولا يذر؛ إذ كيف يستقيم العقل، يا هذا، أن يكون البلد أغنى من خزائنه، وأفقر من مستشفياته، وأوسع من أرضه، وأضيق من صدر طبيبه؟ ذلك أن الأمر قد انقلب حتى صار الغني في باطن الأرض، والفقير على سطحها، وصارت الصحة أمنيةً لا حقًا، ودواءً لا نظامًا، وكرامةً لا سياسة. ولقد كتب الناقد السينمائي علي الحسن، يا صاح، كلماتٍ لو عُرضت على السينما لعدّها المخرجون ضربًا من المبالغة، وهي عندنا عين الواقع ولب الحقيقة، حين قال "لا عزاء لحاملي الضمان الصحي في مستشفيات بغداد السعيدة". فانظر كيف جمع بين السعادة اسما، والشقاء فعلا، وكيف جعل من العبارة مرآةً تعكس وجها مقلوبا، كأن المدينة تضحك بوجهٍ وتبكي بآخر، أو كأنها تلبس قناع المسرح وهي تمارس فاجعة الحياة. ثم إن الرجل، يا رعاك الله، لم يدخل هذا الباب إلا وهو متفائل، وما أكثر ما يُبتلى المتفائلون بخيبات الرجاء، إذ استخرج دفتر الضمان، واقتطع من راتبه التقاعدي ما اقتطع، وهو يعلم أن راتبه أدنى من أدنى، وأقل من أن يحتمل اقتطاعًا، ولكنه علّق قلبه على وهمٍ جميل، وهو أن هذا الدفتر سيكون له شافعًا تُدرك به الحاجة، وطبيبًا يُرفع به البلاء، ودواءً يُخفف به العناء.
وهنا يظهر البيان، يا أحسن الله إليك، أداةً تكشف المستور، إذ الضمان الصحي، في ظاهره وعدٌ، وفي باطنه وعيد، وفي عنوانه رحمة، وفي مضمونه مشقة، فهو أداة يظهر بها البيان، وشاهد يعبر عن الضمير، لكنه في هذا المقام صار حاكمًا يقضي على الأمل، لا له، وناطقًا يرد الجواب، لا به. فكم من دفترٍ حمله صاحبه ظنًا أنه مفتاح النجاة، فإذا هو بطاقة انتظار، لا أكثر. وقد ظن الرجل، يا هداك الباري، أن المستشفى العريق لا يخون عهده، ولا ينكث وعده، فاختاره من بين سواه، كما يختار المؤمن محرابه، أو العابد قبلته، ولكن هيهات، فإن الأبنية لا تشفي، والرخام لا يداوي، والهيبة لا تعني الكفاية، إذ قد يكون البناء شامخًا، والضمير واهيًا، وقد يكون الاسم عريقًا، والفعل طارئًا. فلما دخل على الطبيب، يا سدد الله خطاك، كان ينتظر صورةً طالما رسمتها السينما في أذهان الناس، من سماعةٍ تُصغي، ويدٍ تفحص، ونظرةٍ تتأمل، ولكن الطبيب، وهو شابٌ من أبناء هذا الزمان، اكتفى بنظرةٍ عابرة، كأن المريض صفحةٌ تُقلب لا إنسانٌ يُفهم، وسأله أسئلةً كأنها فرضٌ يؤديه، لا اهتمامٌ يقتضيه.
وهنا تبلغ السخرية ذروتها، يا وفقك الله، إذ صار المريض يحنّ إلى مبالغة السينما، ويتمنى لو أن الطبيب قال له "كح" ولو كذبًا، أو طرق ركبته ولو عبثًا، فإن في تلك الطقوس، وإن كانت شكلية، شيئًا من الاعتراف بإنسانيته، وإقرارًا بوجوده، أما أن يُختصر في ورقة تحليل، فذلك مما يضيق به الصدر، ويعجز عنه الصبر. وخرج الرجل، يا أيدك الله، وهو بين مصدقٍ ومكذب، لا لما رأى فحسب، بل لما لم يرَ، فإن الغياب أبلغ من الحضور، والصمت أفصح من الكلام، حين يكون في موضع البيان، وقد رأى من ازدحام أصحاب الدفاتر ما جعله يدرك أن الضمان لم يرفع قدرهم، بل خفضه، ولم يقربهم، بل أبعدهم، حتى صاروا مرضى من الدرجة العاشرة، لا الأولى ولا الثانية. واعلم أن اللفظ إذا شاكل معناه، يا هذا، خرج من سماجة التكلف، وسلم من فساد الصنعة، وكان أوقع في النفس، وأبلغ في الأثر، ولذلك فإن عبارة "مستشفيات بغداد السعيدة" لم تكن إلا سخريةً سوداء، إذ وافق اللفظ ضد معناه، فصار أبلغ في الإدانة، وأشد وقعًا في القلب، كأن السعادة نفسها تشهد على غيابها. ثم انظر إلى مشهد الزوجة، يا صاح، حين بقيت لتكمل ما بدأه زوجها، فكتب لها الطبيب التحاليل، ثم قال لها "عندما تأتيني بالنتائج ذكريني حتى أكتب للحجي علاجا"، فكأن الرجل ليس حاضرًا، وكأن المرض لا يستحق العجلة، وكأن العلاج مؤجلٌ إلى حين التذكير، لا إلى حين الحاجة، وفي هذا ما فيه من تسويفٍ يقتل الرجاء، ويهدم الثقة. وهنا تتجلى طبيعة الإنسان، يا رعاك الله، إذ ليس على ظهرها إنسان إلا معجب بعقله، يظن أنه يدبر، وهو يُدبر به، ويحسب أنه يختار، وهو يُختار له، فالمريض يظن أنه بامتلاك الدفتر قد أحكم أمره، والطبيب يظن أنه بأدائه السريع قد أدى واجبه، والإدارة تظن أن النظام قائم، وكلهم في وهمٍ مشترك، لا ينجو منه أحد. ثم إن الرجل، وقد كان صائمًا، خرج إلى مطعمٍ يسميه "أنس"، ليتغدى بنية الإفطار، فاجتمع في فعله التناقض، كما اجتمع في حال البلد كله، إذ يصوم للتحاليل، ويفطر على الخيبة، ويطلب الشفاء من جهة، ويهرب إلى الطعام من جهة أخرى، وكأن الجسد يعوض ما عجز عنه النظام، أو كأن المعدة أصدق من المؤسسة.
وإنك، يا أحسن الله إليك، لو تأملت هذا المشهد، لوجدته أقرب إلى السريالية منه إلى الواقعية، كأن العراق قد صار لوحةً من لوحات العبث، حيث تختلط المعاني، وتضيع الحدود، ويصير الضمان عبئًا، والمستشفى محطةً، والطبيب موظفًا، والمريض رقمًا، فلا البيان بيان، ولا العلاج علاج. وقد قيل إن الكلام إذا كان كريمًا في نفسه، متخيرًا من جنسه، بلغ من القلوب مبلغًا عظيمًا، وإن كلام علي الحسن، على بساطته، قد بلغ هذا المبلغ، لأنه خرج من تجربة، لا من تنظير، ومن معاناة، لا من ترف، فكان صادقًا، والصادق يبلغ ما لا يبلغه المتكلف، ويصيب ما لا يصيبه المتصنع. ثم إن في هذا كله، يا هداك الباري، درسًا لمن اعتبر، وعظةً لمن تدبر، وهو أن الأنظمة إذا قامت على الورق، لا على الفعل، كانت كالبناء على الرمل، وأن الضمان إذا لم يضمن، كان أشد خطرًا من عدمه، لأنه يزرع الأمل، ثم يقتله، ويعد بالرحمة، ثم يسلبها. وليس الغرض من هذا القول، يا سدد الله خطاك، التشهير ولا التهويل، بل البيان، فإن البيان شافع تُدرك به الحاجة، وواعظ ينهى عن القبيح، ومعز يبرد الأحزان، وقد كان الجاحظ يقول إن اللفظ إذا سلم من التعقيد، ووافق المعنى، أحبته النفوس، وهشت له الأسماع، وهذا ما نرجوه من مثل هذه المقالات، أن تكون مرآةً، لا زخرفًا، ونقدًا، لا تزيينًا. وفي الختام، يا وفقك الله، فإن القصة ليست قصة رجلٍ ودفتر، بل قصة وطنٍ ونظام، وقصة شعبٍ وأمل، وقصة زمنٍ اختلطت فيه القيم، حتى صار الحق باهتًا، والباطل لامعًا، فإن لم نُحسن البيان، ونُصلح الشأن، ونُعيد للإنسان مكانه، فسيظل الدفتر دفترًا، والمرض مرضًا، والشفاء حكايةً تُروى، لا واقعًا يُعاش.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نقاش الساعة - أمريكا وإيران تبحثان عن صيغة اتفاق تضمن المخرج
.. مهرجان كان السينمائي-رامي مالك على السجادة الحمراء مع فيلم -
.. مهرجان كان السينمائي- فيلم -الرقيب-: عن جنون العسكرة في عصرن
.. -أرستقراطية الشاشة-.. ذكرى رحيل الفنانة ميمي شكيب
.. جمع بين التمثيل والغناء والإعلام.. ذكرى رحيل الفنان الشامل س