الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خبايا الصناديق المغلقة

يوسف شيخو

2026 / 5 / 6
الادب والفن


ثمة أماكن في الروح لا تصلها الشمس، ثقوبٌ سوداء نطلق عليها مجازاً "الذاكرة". هي تلك السراديب الممتدة في عمق الوجدان، حيث تتكدس الصور وتتقاطع الأصوات في عتمةٍ مهيبة. حين يقرر المرء الهبوط إلى تلك الأغوار، فإنه لا يذهب في نزهة، بل يمضي في رحلة استكشافية لرفات ذاته القديمة، ونحو وجوهٍ غادرت ملامحها مرآة الحاضر لتقيم بصفة دائمة في غرف اللاشعور.
​تمتاز هذه السراديب برطوبة الحنين التي تفوح من جدرانها. كل زاوية هناك تخبئ عطراً عتيقاً، أو صدى ضحكةٍ تلاشت خلف غبار السنين. السير في ممرات الذاكرة يشبه المشي على زجاج مكسور، كل خطوة توقظ جرحاً، وكل التفاتة تفتق جرحاً في مآقٍ ظنت أنَّ القحط قد أراحها من عناء الهطول ، نلتقي بنسخنا السابقة، أولئك الغرباء الذين كناهم يوماً، نحدق في أعينهم فنجد عتاباً صامتاً، أو تساؤلاً مريراً عما فعلته الأيام بأحلامنا الكبرى.
​العجيب في هذه المتاهة أنها لا تخضع لقوانين الفيزياء. اللحظة التي استغرقت ثانية واحدة في الواقع، قد تشغل في سرداب الذاكرة قاعةً فسيحة لا تنتهي حدودها. والكلمة العابرة التي قيلت في غفلة من الزمن، كقصف رعدٍ لا يكفُّ عن زلزلة الهدوء ، نحن مسكونون بتفاصيلنا الصغيرة، بتلك المنعطفات التي ظنناها تافهة، فإذ بها تشكل تضاريس أرواحنا الحالية.
​أحياناً، تمسي الذاكرة عبئاً ثقيلاً، قيداً يشدنا نحو الوراء كلما حاولنا القفز نحو المستقبل. تصبح السراديب سجناً اختيارياً نعتكف فيه، نعيد تدوير الألم، ونقتات على فتات الذكريات. نغلق الأبواب على أنفسنا، ونرفض مغادرة تلك الظلال، ظناً منا أن في استحضار الفقد نوعاً من الوفاء. الحقيقة أن الذاكرة خائنة بامتياز، فهي تجمل القبيح، وتعظم الصغير، وتمنح الراحلين هالات من القداسة لم يمتلكوها يوماً وهم بيننا.
​ومع ذلك، تظل هذه السراديب هي الملاذ الأخير للإنسان حين تضيق به سبل الواقع. هي الرصيد الوحيد الذي لا تطاله يد المصادرة، والمكان الذي نسترد فيه كل ما سرقته الحياة منا. في الذاكرة، يعود الغائبون، وتتحقق الأمنيات المستحيلة، وتلتئم الكسور التي عجز الطب عن مداواتها. هي الفردوس الضائع والجحيم المقيم في آن واحد.
​يا لهول ما تحمله هذه العقول من أسرار! مخازن هائلة من الحكايات التي لن تروى، ومقابر شاسعة لمشاريع لم ترَ النور. كل إنسان يسير وفي أعماقه متاهة لا يدخلها غيره، سراديب موصدة بأقفال من نسيان مصطنع، لكنها تنفتح فجأة أمام رائحة مألوفة، أو لحن شجي، أو نبرة صوت تشبه صوتاً نحبه.
​في نهاية المطاف، لسنا سوى حصيلة ما نتذكره. نحن مجموعة من القصص المخبأة في تلك السراديب. وحين نغادر هذا العالم، تنهار تلك الممرات، وتتلاشى الصور، ويغرق كل ذلك الأرث في صمت أبدي، تاركاً خلفه سؤالاً واحداً: هل كانت ذاكرتنا وطناً آمناً أم كانت مجرد زنزانة انفرادية قضينا فيها العمر بانتظار عفوٍ لن يأتي؟
​إن ترويض الذاكرة هو الفن الأصعب، فمن استطاع أن يسير في سراديبه دون أن تبتلعه الظلمة، ومن استطاع أن يحمل فانوس الرضا وهو يقلب صفحات ماضيه، فقد نال أقصى درجات الحكمة الإنسانية. فالذاكرة يجب أن تكون جسراً نعبر فوقه، لا بئراً نسقط فيه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نقاش الساعة - أمريكا وإيران تبحثان عن صيغة اتفاق تضمن المخرج


.. مهرجان كان السينمائي-رامي مالك على السجادة الحمراء مع فيلم -




.. مهرجان كان السينمائي- فيلم -الرقيب-: عن جنون العسكرة في عصرن


.. -أرستقراطية الشاشة-.. ذكرى رحيل الفنانة ميمي شكيب




.. جمع بين التمثيل والغناء والإعلام.. ذكرى رحيل الفنان الشامل س