الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
في نقد دوغمائية التعصب الديني
زيد نائل العدوان
2026 / 5 / 6العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
احتل الدين منذ الزمن القديم مكانة مهمة في نفوس البشر والحضارات القديمة؛ بحيث كان يلعب دورًا مهمًا في حياة الإنسان القديم، فمن الاعتقادات وصولًا إلى الطقوس، عمل الإنسان القديم (والحديث كذلك) إلى ترسيخ دور الدين في أموره اليومية المختلفة.
ومع تقدم الحضارة الإنسانية، اختلفت الأديان وتعددت فتنوعت مصادرها وأفكارها، وصارت الحضارة الإنسانية ذات اعتقادات مختلفة، ففي الصين نجد الطاوية والكونفوشسية، وفي الهند نجد البوذية والهندوسية، وفي الشرق نجد المعتقدات البابلية والآشورية والمصرية وغيرها، وفي كل منطقة نجد معتقدات دينية قديمة معينة.
ومن ثم، تغيرت هذه الديانات مع قدوم الأديان الإبراهيمية، وصارت الأقوام التي بالشرق الأدنى تدين بالديانات الإبراهيمية المختلفة كالمسيحية واليهودية والإسلام، ولكن، ومع ظهور هذه الديانات، ظهر التعصب الديني بأقبح صوره الموجودة في العصور الوسطى والحديثة، فصار المتعصبين دينيًأ من أتباع هذه الديانات يكفرون بعضهم بعضًا في جو من التعصب الديني والتطرف العقدي.
وكلامي ها هنا في هذا المقال ليس عن الدين نفسه، فأنا شخصيًا ليست لدي مشكلة مع الأديان كافة، وأؤمن بالحوار السلمي بين الأديان، وأحترم كافة الأديان، ولكني اعترض على التطرف الديني والتعصب العقدي؛ بحيث أؤمن بأن هذه الظاهرة يجب أن تُحارَب، وبأنه يجب توعية الجميع حول هذا الأمر، كما اعتقد بأن الفكر المتعصب يجب أن يُواجَه بالفكر التنويري الذي يدعو إلى العقلانية والتسامح.
فالمتعصبين دينيًا يعتقدون عادةً بعقيدة معينة، ويقومون بتطبيقها في حياتهم المختلفة، كما أنهم عادة ما يدعون الآخرين لهذه العقيدة، ولو قام الآخرون برفض مذهبهم أو عقيدتهم، أو قام بتوجيه نقد لها، فإنه سيواجه بجميع أنواع الكراهية والعصبية من قِبلهم، وهذا بحد ذاته خاطئ؛ ذلك أن الفرد يجب أن يكون عليه متسامحًا وهادئًا ومتقبلًا للآخر المختلف عنه دينيًا.
ولذلك، يعتقد المتعصبين دينيًا بعقيدة معينة، ويعتقدون أن العالم كله يدور حولها، وفي النقاط الآتية تلخيص لأهم ادعاءاتهم حول صحة عقائدهم مع أهم الانتقادات الموجهة لهم:
1. يعتقد المتعصب دينيًا أن رجال الدين الخاصين بمذهبه يمتلكون الحقيقة المطلقة؛ بحيث أن الحقيقة قد أُنزلِت عليهم، فهنا، وجه النقد الذي يوجه لهم أنه من بين كل الديانات الموجودة، ومن بين كل المذاهب الموجودة، كيف يتأكدون من أن مذهبهم هو المذهب الصحيح؟!، وكيف يجزمون بصحة آرائهم وأقوالهم؟!.
ما أحاول قوله ها هنا هو أن العالم الميتافيزيقي لا يمكن التأكد منه، ولا يمكن للعقل أن يدرك كنه هذا العوالم، فكيف يجزم المتعصبين دينيًا بصحة آرائهم بخصوص هذه العوالم، هذا أولًا.
2. ثانيًا، يعتقد المتعصب دينيًا أن الآخرين يقفون ضد مذهبه الديني، ويعتقد أن الآخرين من الأديان والمذاهب المختلفة يقومون على مخالفته دينيًا بقصد إضراره، وهذا برأيي أشد الحماقة، ذلك أن المتعصبين دينيًا يتخذون من الآخرين أعداءً دومًا لمجرد مخالفتهم إياهم في الآراء الدينية والمذهبية، وهذا كان بذاته سببًا للحروب الدينية التي وقعت في العالم منذ قديم الزمان وحتى الآن.
3. ثالثًا، يعتقد المتعصب دينيًا بعدم صحة العلم وبعدم صحة التجارب العلمية الحديثة التي يقوم على اكتشافها/ اختراعها العلماء من مختلف المجالات، بدعوى أن نصوص رجال الدين تخالف هذه الاكتشافات العلمية والاختراعات المختلفة، وفي هذا خلط بنظري واضح ما بين العلم والدين من قبل المتعصبين دينيًا، فالدين ليس له علاقة بالعلم وهو بعيد عنه أيما البعد.
فالدين يتحدث عن أمور ميتافيزيقية لا يمكن إدراكها بالعقل الطبيعي، ويتحدث عن أمور تخضع للتأويل وتخضع للاحتمالات المختلفة، بينما العلم واضح ولا يقبل التأويل أو الاحتمالات إلا بأضيق الحالات، ولذلك، وجب عدم الخلط بينهم كما يفعل بعض المتعصبين دينيًا.
4. رابعًا، لو أتينا لعقلية المتعصب دينيًا النفسية، لرأينا أنه يتمتع بدوغمائية لا مثيل لها بين الكل، فالعالِم (من يشتغل بأمور العلم) مثلًا من الممكن أن يتراجع عن آراءه في حال اكتشف أن آراءه غير صحيحة، وكذا الأمر بالنسبة لأي شخص في أي مجال؛ فإن تبين للإنسان السوي خطأ رأيه فإنه يتراجع عنه ويتبنى الرأي الجديد، إلا المتعصب دينيًا، فإنه لا يتراجع عن رأي قاله رجال الدين الخاصين بطائفته؛ ذلك انه يعتقد العصمة والصحة المطلقة بهذا الرأي.
حتى وإن أتى الشخص لكي يحاورهم في آراءهم هاته، فإنه يجد أنهم متمسكين بآرائهم جدًا دون تبرير منطقي ودون حجة عقلانية، وهذا بذاته يعد من أخطر الأمور؛ لإن الذي يتمسك بالنصوص من دون تمحيص ولا نقد لها يعرض نفسه للتعصب الديني، ويصبح ألعوبة بيد رجال الدين الخاصة بطائفته؛ بحيث قد يقدم على ارتكاب أفعال قبيحة بميزان الفطرة الإنسانية كإيذاء الآخرين أو الإساءة لهم لمجرد اختلافهم في الآراء الدينية معه.
5. خامسًا، إن المتعصب دينيًا يعامل الآخرين لا على أساس المنطق والعقلانية، بل على أساس توافق الآخرين مع مذهبه الديني، وفي هذا نوع من التمييز يقوم به المتعصب دينيًا اتجاه الآخرين، فهو يعتقد أن الآخر المختلف عنه يشكل خطرًا عليه؛ لإن المتعصب دينيًا يرى أن الوجود كله يتمحور حول آراءه الدينية ومذهبه الديني، وبالتالي يعمل على تصنيف الناس وفق المذهب، وهذا أمر سيء وغير جيد.
ولو أتينا للسبب الذي يجعل المتعصب الديني يكره الآخرين المختلفين عنه، لرأينا أن السبب نفسي بالمقام الأول؛ فتلك الآراء المتعصبة دينيًا هي بنظره من تعطيه قيمة لوجوده؛ إذ يختزل هو وجوده في هذه الآراء ويختزل حياته حول تعاليم رجال الدين الخاصين بطائفته، فتصبح هذه الآراء المتطرفة جزءًا من شخصيته، وبالتالي يمسي أي مساس بهذه الآراء أو محاولة للاختلاف معها هو مساس بشخصية المتعصب دينيًا، فيصير يأخذ الأمور على محمل شخصي.
6. سادسًا، يعمل المتعصب دينيًا على منع قراءة المذاهب الدينية المختلفة عن مذهبه، ويعمل على التحذير من الإطلاع على الآراء الدينية التي تخالف مذهبه؛ خصوصًا ما كان عقلانيًا وتنويريًا من تلك الآراء؛ ذاك أنه يعلم علم اليقين أن مذهبه هش، وأن الإنسان السوي سيرفض الآراء المتعصبة دينيًا، ولذلك، يحرم المتعصب دينيًا قراءة كل مذهب ورأي مخالف لمذهبه ورأيه.
وفي العصر الحديث، أصبح هنالك ما يسمى بعلم الأديان، وهذا العلم أصبح تخصصًا أكاديميًا يُدرَس في جامعات الغرب؛ بحيث يتناول هذا العلم الدين بشكل منطقي وعقلاني، ويحلل أهم ظواهره ومكوناته بشكل علمي وباعتماد منهج قائم على أسس علمية، مثل هذا العلم والعلوم المجاورة له من الممكن أن يُعتَمد عليها في كشف زيف العقلية الدينية المتعصبة ودوغمائيتها.
إذًا، يجب القول ختامًا أنني أؤمن بالحوار السلمي بين الأديان كما أسلفتُ سابقًا، وأن السبيل لإقامة حضارة عالمية إنسانية متقدمة تنهض بالإنسان من مختلف النواحي هو القضاء على التطرف والتعصب الديني، والذي أمسى ظاهرةً تشكل خطرًا على البشرية، كما أني أدعو لنقد دوغمائية وجمود العقل الديني؛ وذلك بإتباع منهج الفكر لا الإقصاء؛ لإن الفكر لا يُقارَع إلا بالفكر، والحجة لا تُنقَض إلا بالحجة، وإلا فلو سكتنا عن هذه الظاهرة فإن الكثير من المشاكل ستنشأ، والتي نحن كحضارة بشرية في غنى عنها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سرديات أونلاين | المقدسات المسيحية في فلسطين ولبنان تحت نيرا
.. هل القاضي مقيد بالمذهب الحنفي في مشروع قانون الأحوال الشخصية
.. 10-Unless they associate others / Yusuf / 100 - 111
.. نجاة عبدالحق لـ«المصري اليوم»: معظم يهود مصر لم يهاجروا لإسر
.. جلالة الملك ينيب سمو الشيخ عبدالله بن حمد لحضور الاحتفال بمر