الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
في انتقاد آلية التفكير الديني المتعصب
زيد نائل العدوان
2026 / 5 / 6العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
آمن الإنسان منذ القدم بالخوارق الطبيعية وعمل على سبر أغوارها؛ إذ كان يعتقد بوجود هذه الخوارق من حوله، وعزز ذلك وجود المرويات الشفهية القديمة في الحضارات القديمة؛ مثل وجود المرويات المتعلقة بالإله إنكي وإنليل في الحضارات القديمة، والتي عمل رجال الدين في ذلك الزمن على ترسيخها في العقل الجمعي للشعوب المختلفة؛ بحيث أصبح الإنسان القديم يؤمن بهذه الخوارق والخرافات.
فعليًا، لو أتينا بدايةً لتعريف ظاهرة الخوارق، لقلنا أنها عبارة عن الإيمان بوجود أشخاص/ حوادث تملك القدرة على مخالفة القوانين الطبيعية المعهودة، مثل الإيمان والاعتقاد بأن الإنسان قادر على الاختفاء، ومثل الاعتقاد بتأثير عوالم أخرى غير مرئية على البشر، ومثل الاعتقاد بتأثير الكواكب والنجوم على العالم البشري بطريقة ما، فكل هذه الظواهر وغيرها تندرج تحت الخرافات بنظري، وهي أقرب إلى التفكير الصبياني من التفكير المنطقي والعقلاني.
تبرز هذه الظواهر في المجتمعات القديمة، خصوصًا المجتمعات الشرقية والتي لم يجرؤ أحد منذ القدم على انتقاد هذه الأساطير المختلفة ؛ بحيث تصبح هذا المعتقدات الخرافية جزء من الموروث الديني للحضارات القديمة، وتصبح الممارسات الحياتية للحضارات القديمة تقوم على هذه المعتقدات بشكل واضح وكبير.
تكمن أهمية انتقاد هذه المعتقدات الخرافية بأنها انتقاد للفكر الديني القديم؛ والذي كان يمارسه الإنسان من دون تمحيص عقلاني مستند لمنهجية علمية واضحة، كما تكمن أهميتها في إبراز عدم صحة هذه المعتقدات؛ والتي يتوجب انتقادها دائمًا وأبدًا كي لا يقع الإنسان بفخ الخرافات والأمور الغيبية المبهمة.
ونسأل أنفسنا ونقول: ما الذي دفع الإنسان القديم إلى الاعتقاد بهذه الخرافات والقصص الأسطورية منذ قديم الزمان؟ إن جواب هذه المسألة تكمن في نفسية الإنسان القديم من جهة، وفي طريقة تفسيره من جهة أخرى، فالإنسان قديمًا لم يكن يمتلك وسائل علمية حديثة وأدوات منهجية واضحة تخوله البحث في ظواهر الطبيعة المختلفة، فقام بافتراض قصصٍ ومعتقدات لتفسير الظواهر الحياتية التي من حوله كالبرق والرعد وتكون البحار وغيرها، هذا أولًا.
ثانيًا، إن الإنسان بالقدم كان يسعى للأمان النفسي -كما الآن في العصر الحديث أيضًا-، وكان يعمل على أن يشعر بالطمأنينة؛ إذ كانت الظواهر الطبيعية تشعره بالخوف والحيرة، فهو لم يكن مثلًا يعلم ما سبب الزلازل العلمي، ولا سبب الأعاصير، وكان يخاف من حدوث الزلازل أو الأعاصير، فبالتالي، وكوسيلة لكي يشعر بالاطمئنان، كان يقوم بالتوسل إلى الآلهة القديمة، فيعتقد بذلك أنه يتحكم بوقوع هذه الزلازل فيمنع من وقوعها، فيشعر نتيجة ذلك بالطمأنينة والأمان النفسي، ولكن، هذا الأمان النفسي زائف وغير واقعي.
حقيقةً، فإن تمحيص هذه الظواهر عقليًا وإخضاعها لمنهج علمي صارم وواضح لن يعطي الإنسان طمأنينة كما هي الخرافات الدينية القديمة، لكن سيعطيه فهمًا حقيقيًا وإدراكًا صحيحًا يستطيع بواسطته أن يعالج ظواهر الطبيعة من خلال إدراك أسبابها الصحيحة، فيكون بذلك الإنسان قد تقدم في المسيرة العلمية وعمل على ترسيخ منهج وطريق عقلاني يعالج به الظواهر المختلفة.
ومما يجب قوله، أن هذه الظواهر الخرافية تكمن خطورتها في أنها تغيب عقل الإنسان، فتجعله بهذا الأمر عرضةً للتطرف الديني، فيطبق بذلك بعض الأمور التي قد يكون بها إيذاء للآخر المختلف عنه دينيًا أو مذهبيًا، مما يؤدي إلى إثارة النزاع والفتن المذهبية، ولذلك، يجب على الحكومات المختلفة من خلال القوانين أن تقوم بسن تشريعات تحارب هذا الفكر الخرافي الظلامي؛ كي لا يصبح المجتمع أسيرًا لهذه الأفكار.
ورجوعًا لفكرة الحرية الدينية، فإنه يجب على الإنسان الحديث أن يلتفت لتوسيع نطاق الحرية الدينية، فلا يعود هنالك تمييز ديني بين أتباع دين معين وأتباع دين آخر، إذ يجب على القوانين والتشريعات الحديثة فرض قواعد قانونية تقوم على حماية كافة الديانات والشرائع؛ انطلاقًا من مبدأ (الحرية الفكرية والدينية) وإعمالًا لمبدأ المساواة والعدل بين أتباع الطوائف والمذاهب المختلفة.
إلا أنه يجب كذلك منع هذه الطوائف والمذاهب الدينية إذ أصبحت تشكل خطرًا على غيرها؛ ذلك أن هذه الطوائف من الممكن أن تسبب بشرخ مجتمعي كما أنها تتعرض للحريات والحقوق المدنية بالخطر، والتي نصت عليها الدساتير الحديثة وكفلتها في المواد القانونية الموجودة بهذه الدساتير.
ومما أراه كذلك واجبًا على الدول المختلفة، هي منع التراث التمييزي الموجود بالأديان المختلفة، فمثلًا إذا وُجِدَ تراث يقوم على إقصاء الآخر وتهمشيه والحث على إيذاءه والتضييق عليه لمجرد اختلاف عقيدته، فإن الدولة يجب أن تعمل بكل أجهزتها على منع هذا التراث من الانتشار، ذلك أن البشرية لكي تتقدم يجب عليها تجاوز هذا التراث وعدم الالتفات له بتاتًا.
وهذا بدوره يتطلب منا أن ننظر في آلية تفكير المتعصبين دينيًا، والذي يقوم على الأمور التالية:
1. الإيمان: وهذا ليس محل نقاش ها هنا؛ أي لست أناقش صحة هذا الإيمان من عدمه، ولكن، أناقش ضرورة أن لا يؤدي هذا الإيمان وأن لا يدعو هذا الإيمان إلى إيذاء الآخر وحرمانه من حقوقه الأساسية لمجرد اختلاف بوجهات النظر الدينية.
2. الطاعة: والمقصود بها أن المتدين يعمل على أن يكون هنالك مرجعية دينية في حياته يقوم باتباعها؛ بحيث أنه يعمل على طاعة هذه المرجعية دون المرجعيات الأخرى، ويعمل على الرجوع لهذه المرجعية في أمور حياته المختلف.
وفعليًا، أنا أعترض على هذه النقطة اعتراضًا تامًا، إذ أرى أن الإنسان يجب أن يصنع طريقه بنفسه وأن يعمل عقله إعمالًا تامًا، فلكل منا شخصيته ومنهجيته، فلا ينفع أن أتبنى طريقة تفكير شخص آخر وأطبقها على عقليتي، إن ما أدعو إليه هو تفكيرٌ حر متحرر من الخرافات والدوغمائيات المختلفة.
3. المنهج الأخلاقي والحياتي الصارم: يقوم المتدين يإحاطة نفسه بمجموعة من التعليمات والأحكام الأخلاقية والحياتية والتي يقتدي بها في حياته ويتصرف على أساسها؛ وواقعيًا، أرى أن هذه التعليمات الأخلاقية بعضها لا يصلح لكل زمان ومكان، وأن بعضها قد أكل عليها الدهر وشرب فلماذا التمسك بها دون غيرها من التعليمات.
إذ تفرض الحياة الحديثة على الإنسان بعض الضوابط الحياتية والأخلاقية، والتي يجب أن يراعيها المتدين وأن يوائم نفسه معها، وإلا فإنه سيعيش مغتربًا في مجتمعه، كما لو اتينا لنقطة ثانية لقلنا أن هذه التعليمات الأخلاقية والحياتية لا تناسب العصر الحديث الذي نعيش به؛ فهي تفرض على المتدين بعض الأمور التي من الصعب على الإنسان الحديث تحملها والعيش معها.
وهنالك أمور أخرى يقوم عليها التدين والفكر الديني المتعصب، ولكن هذه الأمور هي أهمها.
ختامًا، من الممكن أن أقول أنه يجب تحديث الفكر الديني كي يوائم التفكير العلمي الحديث، ولكي يناسب الطرق المنهجية والعقلية والسبل العلمية والتي أثبتت نجاعتها وفائدتها الجمة للبشرية، كما يجب على الفكر الديني أن يتبنى الحريات الحديثة من دون محاولة مراوغة هذه الحريات أو محاولة تهميش هذه الحريات وإظهارها بمظهرٍ غير مهم، فهذه الحريات والحقوق المدنية هي الأساس في قيام المجتمعات الحديثة، ولذلك يجب تبنيها وتطويرها من قبل الكل.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سرديات أونلاين | المقدسات المسيحية في فلسطين ولبنان تحت نيرا
.. هل القاضي مقيد بالمذهب الحنفي في مشروع قانون الأحوال الشخصية
.. 10-Unless they associate others / Yusuf / 100 - 111
.. نجاة عبدالحق لـ«المصري اليوم»: معظم يهود مصر لم يهاجروا لإسر
.. جلالة الملك ينيب سمو الشيخ عبدالله بن حمد لحضور الاحتفال بمر