الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المقامة المندلاوية في حَبسِ العُقولِ الزّاكِية : فلسفة القلعة ومكتبة باريس.

صباح حزمي الزهيري

2026 / 5 / 6
الادب والفن


أغرقنا الشيخ الثمانيني هذا الأسبوع بنصوص عدة من كتاب غرائب الغرب للمرحوم العلامة محمد كرد علي , وهاهو اليوم يصبحنا بعنوان : (( حقائق تستحق الاستفادة منها )) , وهي ان المكتبة العامة بباريس قبل ما يقرب من قرن تحتوي على ثلاثة ملايين كتاب مطبوع , ومائة الف مخطوط ومليونين ونصف مليون صورة مختومة )) , ثم يضيف ان الوالي العثماني محمد علي كان أميا او يقرب من درجة الامية , ومع هذا فقد عني بما لم يعن به أحد من الملوك المتأخرين وشرع منذ استقام له امر مصر يختار الاذكياء من ابنائها ممن قرؤوا الدروس الوسطى , فيبعث بهم على نفقة الحكومة الى أوربا ليختصوا في العلوم التي أولعوا بها حتى اذا عاد احدهم وأتم تحصيله , يحبسه في قلعة الجبل ويخرج له كتابا بالافرنجية في الفن الذي اتقنه ويوعز اليه بأن لايخرج من القلعة قبل أن يترجمه بالعربية , ويأمر له بإسباب الراحة والمعينات على الترجمة وألتأليف , فاذا انتهى الطالب من عمله يعرضه على امير البلاد , وهذا يدفعه بالطبع للعارفين من الناس أو الى لجنة كانت معروفة انذاك بلجنة الامتحان , فبعد أن تنظر فيه ترخصه بطبعه في المطبعة الاميرية ويغدق الامير على المترجم انواع الهبات , ويشرع في ترقيته في المراتب ان كان ممن استعدوا للادارة او الجندية او البحرية , واذا كان من الاساتذة , يوسد اليه التدريس في بيوت العلم موسعا عليه في الرزق ليتخرج به أبناء مصر .

ونحن أذ نشكر المندلاوي على هذا النقل الثري , نركزعلى العبرة , فتلك هي المفارقة التاريخية بين (( خزن المعرفة )) في الغرب و(( توطين المعرفة )) في الشرق , وهي حقائق مذهلة تلخص الفارق بين امتلاك المعرفة وبين الإرادة في صناعتها , فبينما كانت باريس تكدس ملايين الكتب , كان محمد علي باشا - على أميته - يدرك أن نهضة الأمم لا تقوم إلا بنقل تلك العلوم وتوطينها بلسان أصحاب الأرض , واستثمار العقول والترجمة هما حجر الزاوية في أي مشروع حضاري , وثمة فرق جوهري بين (( المكتبة )) كخزانة للتاريخ , وبين (( الكتاب )) كأداة للتغيير , وفي ثنايا ما نقله العلامة محمد كرد علي في كتابه (( غرائب الغرب )) , نجد أنفسنا أمام مشهدين يلخصان معادلة التقدم , مشهد باريس التي كانت مكتبتها قبل قرن تضج بملايين الصور والمخطوطات , ومشهد محمد علي باشا في مصر , الرجل الذي لم يتقن القراءة والكتابة , لكنه أتقن صناعة الحضارة.

أستطيع القول انه من أجمل ما قرأت اليوم , قصة توضح أن الأمية ليست في القراءة والكتابة فقط , بل هي عجز الرؤية , محمد علي باشا لم يكن يقرأ , لكنه (( قرأ )) المستقبل ببعثاته وترجماته , وحوّل القلعة من ثكنة عسكرية إلى بيت للحكمة , أما أرقام مكتبة باريس قبل قرن , فهي تذكير لنا بأن الفجوة المعرفية تُردم بالجهد لا بالتمني , وهو درس بليغ في الإدارة والنهضة , والعلم ليس مجرد رفوف مكدسة بالكتب كما في باريس , بل هو توطين المعرفة وبناء الرجال كما فعل محمد علي , لقد كانت مكتبة باريس تمثل التراكم المعرفي , والقدرة على الحفظ والتبويب والتنظيم , وهي مرحلة النضج التي تصل إليها الأمم بعد استقرار طويل , أما محمد علي , فقد قدم نموذجاً فريداً في إدارة العقول , إذ لم يكتفِ بإرسال البعثات لتعلم العلوم , بل أدرك أن المعرفة لا تؤتي ثمارها إلا إذا استنبتت في تربة اللغة الوطنية .

(( يوعز إليه بأن لا يخرج من القلعة قبل أن يترجمه بالعربية )) , هذا الحزم هو ما صنع نهضة مصر الحديثة , ربط الترجمة بالتنمية والوظيفة والمكانة الاجتماعية كان سر العبقرية في ذلك العصر , شتان بين من يجمع الكتب ومن يزرع ثمارها في عقول شعبه , لقد كان (( الحبس الجميل )) الذي مارسه الوالي على المترجمين داخل قلعة الجبل - حتى يتموا نقل العلم إلى العربية - ليس تضييقاً , بل كان إعلاناً عن قيمة (( الترجمة السيادية )) لم يرد محمد علي مجرد (( خبراء )) يتحدثون لغات أجنبية , بل أراد (( مكتبة عربية متحركة )) تعيد بناء الوعي العام , وإن العبرة التي نستقيها من هذه الحقائق تتجاوز حدود الزمان , فالمعرفة ليست مجرد أرقام تُحصى في بطاقات المكتبات , بل هي تلك التي تخرج من (( قلعة )) النخبة لتصبح رزقاً مشاعاً في (( بيوت العلم )) وبين أيدي العامة , لقد أثبت ذلك الوالي الأمّي أن النهضة لا تحتاج فقط إلى قراء , بل تحتاج أولاً إلى إرادة تجعل من الكلمة المترجمة جسراً للعبور نحو المستقبل .

رحم الله العلامة محمد كرد علي حين اشار الى ان الأمية الحقيقية هي عجز الرؤية .

صباح الزهيري .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نقاش الساعة - أمريكا وإيران تبحثان عن صيغة اتفاق تضمن المخرج


.. مهرجان كان السينمائي-رامي مالك على السجادة الحمراء مع فيلم -




.. مهرجان كان السينمائي- فيلم -الرقيب-: عن جنون العسكرة في عصرن


.. -أرستقراطية الشاشة-.. ذكرى رحيل الفنانة ميمي شكيب




.. جمع بين التمثيل والغناء والإعلام.. ذكرى رحيل الفنان الشامل س