الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


البابا ليو يتحدى النظام الدولي الراهن

سعيد مضيه

2026 / 5 / 6
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية


البابا لن يُقدم من الآن فصاعدا "الغطاء الأخلاقي" للتدخل العسكري من جانب الغرب، والإدارة الأميركية تُعجل، دون ان تقصد، انحياز الفاتيكان إلى الجنوب العالمي، يكتب عمران خالد، المحلل جيوسياسي والكاتب في الشئون الدولية ، نُشرت أعماله على نطاق واسع في مؤسسات إخبارية ومطبوعات دولية مرموقة.


تقدم الصور الواردة من لواندا ودوالا في نهاية هذا الأسبوع [أواخر إبريل 2026] تناقضًا صارخًا مع الخطاب الصادر من واشنطن. فبينما يواصل البيت الأبيض هجومه الكلامي على البابا ليو الرابع عشر، واصفًا دعواته لخفض التصعيد في الصراع مع إيران بأنها "وهم" ومشككًا في شرعيته، ينشغل الحبر المقدس بإقامة تحالف من نوع مختلف؛ فرحلته التي تستغرق 11 يومًا ونشمل الجزائر والكاميرون وأنغولا ليست مجرد زيارة رعوية، بل هي تحول جيوسياسي متقن. فمن خلال نقل مركز ثقل الكنيسة الكاثوليكية نحو الجنوب العالمي، يضع الفاتيكان نفسه في موقع الحكََم الأخلاقي، بمعنى زيادة الاستقلال عن المصالح الاستراتيجية الأمريكية، وغالبا ما يتعارض مباشرة معها.

منذ عقود، والنظرة التقليدية لدور الفاتيكان في العالم كانت تحدد بتحالف جون بول الثاني مع الغرب في الحرب الباردة. لقد ولّت تلك الحقبة؛ إذ يتأكد واقع جديد بفضل زيارته لأنغولا، الدولة التي طحنتها عقود من الحرب الأهلية وغدت حاليا لاعباً مهماً في سوق الطاقة العالمي. الكنيسة الكاثوليكية تشهد نموا متسارعا في تلك المناطق بالذات حيث تغلب كثيرا نظرة التشكيك في النفوذ الأمريكي. في أفريقيا وحدها، تجاوز ارتفاع عدد الكاثوليك بين سكانها ال 288 مليون نسمة. وإذ يتحدث البابا في لواندا عن "حفنة الطغاة" ممن يعيثون فسادا في الأرض بحروبهم واستغلالهم، فإن جمهور المستمعين ليسوا النخب في واشنطون، إنما أتباع عولميون تنتابهم مشاعر اولية لما بعد صدمات الحرب الحديثة والحصارات الاقتصادية.

هذا التحوّل ينطوي على اهمية بالغة، لا سيما مع دخول الحرب الإيرانية عام 2026 مرحلةً متقلبة جديدة. ان إغلاق القوات الإيرانية لمضيق هرمز يوم السبت [25 ابريل]، وما تلاه من تقارير عن إطلاق الحرس الثوري النار على سفن تجارية، قد دفع الاقتصاد العالمي باتجاه حافة الانهيار. كما حذّرت الأمم المتحدة من كارثة إنسانية وشيكة تتعلق بإمدادات الأسمدة والحبوب على صعيد العالم، وهي أزمة تُعطي ثقلاً مباشرا لدعوة الفاتيكان لخفض التوتر. ورغم أن واشنطن تضع الأمر في إطار معركة صريحة ضد "الابتزاز"، فإن الكثير من بقية دول العالم ترى في ذلك اختلالا مدمرا بأمن الطاقة والغذاء ناجماً عن دورة تصعيد لم تحدث باختيارها.

الفاتيكان وضع خطاه داخل هذا الفراغ من السلطة الأخلاقية. وإذ رفض الكرسي الرسولي التراجع عن إدانته للحرب رغم الهجمات الشخصية غير المسبوقة التي شنّتها عليه الإدارة الأمريكية، فان ذلك دلالة من الكرسي الرسولي بان البابا ليو لن يُقدم من الآن فصاعدا "الغطاء الأخلاقي" للتدخل العسكري من جانب الغرب. والبديل زراعة "كتلة حياد". تجلّت هذه الاستراتيجية في الجزائر، حيث غدا ليو اول حبر أعظم يزور البلاد ، مُعززًا بذلك علاقات أخوة مع العالم الإسلامي تتجاوز الأطر الأمنية التقليدية للغرب.

جاء ردّ فعل الإدارة الأمريكية معاملة الفاتيكان مجرد طرف سياسي معادٍ. عندما يقترح جيه دي فانس [نائب الرئيس] على البابا النأي بنفسه بعيدا عن الشؤون الأمريكية، أو يلمّح الرئيس بأن البابا قد "نُصِّب" قوة مضادة للولايات المتحدة، فإنهما يسيئان فهم طبيعة المؤسسة التي يحاربانها. الفاتيكان يعمل على مدار زمني ممتد قرونا، وليس دورات انتخابية؛ وإذ تسعى الإدارة الأميركية لإرغام ر الكرسي الرسولي على الصمت، فإنها بذلك تُعجل، دون ان تقصد، انحياز الفاتيكان إلى الجنوب العالمي.
الأمر لا يتعلق بالدين، بل بالتردي البنيوي لـ "القطبية الأحادية". خلال معظم حقبة القرن العشرين، انضبطت على نطاق واسع القيادة الأخلاقية والسياسية للغرب؛ وفي الوقت الراهن نشهد تباعدا بالمواقف. يُقدّم "لاهوت المقاومة" ا كما يعرضه الفاتيكان، لدول أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية الإطار الفلسفي لمقاومة حملات الضغوط التي تقودها الولايات المتحدة. إذا استطاع البابا صياغة معارضة الحرب على إيران دفاعا عن "الكرامة الإنسانية" و"التعددية" ضد "السيطرة المطلقة"، وليس مجرد الدفاع عن نظام فإنه يصنع مجالا دبلوماسيا تتوق العديد من الدول للإقامة فيه.
يُسلّط الاحتكاك الحالي الضوء على اتجاه أوسع في السياسة العالمية: صعود جهات فاعلة غير حكومية وتكتلات إقليمية ترفض الانحياز في تنافس القوى العظمى في القرن الحادي والعشرين. أنغولا، بصفتها منتجًا رئيسيًا للنفط في أفريقيا، تعتبر مثالًا بارزًا لدولةٍ عليها أن تُوازن ثروتها من الموارد مع رغبتها في الاستقرار. عندما يزور البابا المكان المقدس، موكسيما، فإنه لم يقم صلاة الوزاري، إنما أضفى الشرعية على الهوية الثقافية والسياسية لبلد يمضي قدما نحو الاستقلال عن "دبلوماسية القوة" التي حمل عليها في خطابه في يناير /كانونا ثاني الماضي.

مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، قد تترك تداعيات السياسة الداخلية لهذا الخلاف تأثيرا بارزا، لكن عواقبها على الصعيد الأممي ستكون أعمق بكثير. تجد الولايات المتحدة نفسها في موقفٍ نادرٍ من المواجهة العامة مع مؤسسةٍ تحظى بولاء أكثر من مليار شخص. في الماضي، كان بإمكان واشنطن الاعتماد على الفاتيكان كشريكٍ هادئٍ في استقرار النظام العالمي. اليوم، بينما يقوم البابا بجولة في عواصم الجنوب العالمي، من الواضح أن الفاتيكان قد قرر أن النظام الحالي لم يعد يستحق الاستقرار. والنتيجة هي عالمٌ تتزايد فيه الفجوة بين السلطة الأخلاقية والقوة العسكرية، مما يُجبر الولايات المتحدة على خوض حروبها بأسلحةٍ ضخمة، ولكن بحلفاء ضميرٍ يتضاءلون بالتدريج.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نبيل بنعبد الله : حكومة أخنوش عطات الدعم لـ -لفراقشية- وما ا


.. سرديتهم وسرديتنا: العهد القديم مقابل الأثار والكتابات القديم




.. تظاهرة اليمين المتطرف في لندن..-ملايين -شاركوا فيها ضد المها


.. بطرس حجارة




.. العدد 654 من جريدة النهج الديمقراطي - تقديم الرفيق عبد القاد