الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
أزمة الحكم المعاصر في سوريا... بين التطرف والانفتاح
علم الدين بدرية
2026 / 5 / 6العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
في قراءة تحليليّة لما يحدث في سوريا من تغيير في الحكم وإعادة صياغة التّطرف الدّيني، السّني، الإسلامي، الراديكالي في بوتقة حديثة، وتجميل تلك الصورة المُخادعة لتظهر بشكل علماني وحُداثي، نكتشف عبر دراسة الواقع السّياسي واستراتيجيّة النظام الحاكم الجديد عن وجه المُغالاة والعنصريّة الدّينيّة والفاشيّة اللاّأخلاقيّة النازيّة في أقبح وجوهها وتنبثق عنها أبعادٌ جديدةٌ من الاستبداد والظلم والسعي لإبادة الأقليات العرقيّة والأثنيّة ومحي الثّقافات الأخرى من النّسيج المجتمعي القائم في هذه الدولة، ونرى هنا أن الاستبداد ليس مُجرّد ظاهرة سياسيّة عابرة، بل منظومة متكاملة تُعيد إنتاج نفسها بعد سقوط النّظام الدموي البعثي العلوي السابق، عبر الدّولة والمجتمع معًا.
ومن الواضح أن الأصوليّة والإرهاب والمفاهيم التكفيريّة لا تتوقف في سياقها التاريخي المشؤوم عند منعطف واحد، بل تمتدّ إلى راهنية الواقع الحاضر والمستقبل المنظور عبر أُطر مُستحدثة في أنظمة الحكم المعاصرة في العالم العربي لتشمل الحركات الأصوليّة المتطرّفة، القاعدة وداعش وغيرها حيث لا تزال أنماط تلك الحركات المتخلّفة الاستبداديّة العفنة تُؤثر في بُنية الحكم والدولة، وتُقيّد إمكانيات الإصلاح والتّغيير في المفاهيم والعقليّة الجماعيّة.
أن سياسة القمع والاستبداد تُعتبر نظامًا متكاملًا، لا يقتصر على الحاكم وزمرته، بل يمتد إلى المجتمع والثّقافة والدّين، حيث يُشكّل الوعي الزائف والمنحرف أجهزة الدّولة وأقنعتها التي تُخفي وجهها الإجرامي وميثاقها الدّموي ويَضبط المجال العام وفق أهواءها وفكرها الأصوليّ المُتزمّت!! علمًاأن الحاكم المُستبد لا يَحكم بمفرده، بل يعتمد على بيئةٍ اجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ تَدعمُ استمراره وتقف وراءه وتُحاول تجميل وجهه الإجرامي للرأي العام والمجتمع الدولي، سواء عبر الخوف أو الجهل أو تزييف الوعي وتغيير الواقع والحقيقة وفق مصالحها الإجراميّة.
سوريا هي نموذج لتراجع الدّولة وانحلالها أخلاقيًّا وماديًّا ، سياسيًّا واجتماعيًّا فبعد تحريرها من الاستعمار الفرنسي واستقلالها بفضل قائد الثورة السورية الكبرى القائد سلطان باشا الأطرش وفكره المتنوّر الداعي للديمقراطيّة والمساواة حيث نفذ على أرض الواقع مقولته الشهيرة "الدين لله والوطن للجميع" رأينا انهيارًا تامًا في المفاهيم والأسس الإنسانيّة وبزوغ سياق سياسي مأزوم أنتج وعلى مدار ستّين عامًا نماذج متطرّفة ودكتاتوريّة طائفيّة وفكرًا أصوليًّا راديكاليًّا متخلّفًا حيث تصاعد الظلم والقهر في أنظمة متخلّفة تدعم الحكم الفردي، وتضيّق الحرّيات، وهو ما خَلق بيئة مناسبة لترسيخ الاستبداد. وهنا نجد جذور هذه الأزمة بنيويّة وليست ظرفيّة آنيّة، منظومة تتجاوز السّياسة وتُشكّل بُنية شاملة تشمل، السّياسة والمجتمع والثّقافة والدّين.
لا يكتفي التّطرف والاستبداد بخلق الأزمات، بل يُعيد إنتاجها عبر إضعاف العقل ونشر الخوف وتعطيل المبادرة للتحرّر والتغيير في العقليّة الجماعيّة والأطر الاجتماعيّة، لأن العلاقة المعقدة بين الاستبداد والدّين تُبرز استخدم الاستبداد الدّيني كأداة لإضفاء الشّرعيّة على السُّلطة، من خلال إعادة تشكيل الخطاب الدّيني ليُصبح وسيلة لتكريس الإرهاب الطائفي والطّاعة الفاشيّة العمياء فتوظيفه السّياسي في مُمارسة الحكم يُلغي العدالة والحريّة والدّيمقراطيّة والمساواة بين المواطنين ويَخلق صراعًا دائمًا مع الوعي والعلم والتقدم والارتقاء ويُولّد أنظمة دكتاتوريّة مستبدّة!! الاستبداد هو نقيض الحريّة والفكر الخلاّق ونقيض العلم والإبداع ويخشى المعرفة التي تفتح باب النّقد والتساؤل!! الأنظمة المستبدّة تعمل على تقييد حريّة التّعبير وإضعاف التّعليم ونشر الجهل، بما يجعل المجتمع أكثر قابليّة للخضوع والخنوع ويؤدّي إلى نشر الخوف والخضوع وتفشي النّفاق الاجتماعي وتآكل الثّقة بين الأفراد وقتل روح المبادرة والإبداع ويخلق جيلاً ضعيفًا ومتردّدًا، غير قادر على التّغيير.
أن الاستبداد السّياسي يقوم على احتكار السّلطة داخل دائرة ضيّقة، مع غياب المشاركة والمساءلة تتحول المؤسّسات إلى أدوات شكليّة، بينما تظل القرارات الحقيقيّة بيد الحاكم.
الاستبداد لا يستمر بالقوة فقط، بل هو عبارة عن منظومة معقدة لها آلياتها ومؤسّساتها تشمل القمع والتخويف وإلغاء الآخر، التجهيل المنهجي والمعنوي وتوظيف الدّين كأداة ترهيب وتكفير وفتاوى تُتيح للزّمرة الحاكمة مُمارسة الإبادة والاقتلاع والنّفي للأقليات التي لها دين وعقيدة مُخالفة فيتفكّك المجتمع وتَروج صناعة نُخبٍ تابعة للنّظام الحاكم، لها أذرع وشبكات تُدير الوعي الزّائف وغَسل الأدمغة عبر الإعلام والتّعليم الدّيني المُتَطرف فينشأ التّخلّف الحضاري وتتعطل التّنمية وتضعف الأمّة وتُصبح أكثر عرضة للتبعيّة والتّطرف فغياب الحريّة وانعدام الديمقراطيّة يؤدي إلى تراجع الإبداع والمبادرة، وينعكس سلبًا على الاقتصاد والعلم والثقافة.
أن مواجهة الاستبداد تتطلب مسارًا طويلًا يقوم على إعادة بناء الوعي، وليس مُجرّد تغيير سياسي مباشر بل عبر بناء الوعي في العقليّة الجماعيّة والأدراك الشعبي وإصلاح التّعليم والتّوجيه الصحيح في تغيير تدريجي يُواجه الاستبداد فكريًّا أخلاقيًّا وثقافيًّا حتى لا تنشأ ثورات غير واعية قد تُعيد إنتاج الاستبداد بأشكال وأثواب جديدة، وهنا ما شهدناه في حكم "الجولاني" ونظامه الإسلامي الراديكالي المتطرف بحيث لم تُلغَ الدكتاتوريّة وأجهزتها المستبدّة ولم تختفِ أدواتها القمعيّة، بل تطورت باستخدام أدوات حديثة، تجمع بين القمع وإدارة الوعي المزيّف عبروسائل الإعلام والتكنولوجياالحديثة وأصبحت أكثر شموليّة واتساعًا، مرتبطة بعوامل إقليميّة ودوليّة، مما يزيد من تعقيد الظاهرة ضمن إشكالياتها المعاصرة.
وأخيرا الحل يحتاج الى مسار طويل وفكر منفتح ويكمن في نشر الوعي النقدي، دعم التعليم المدني المستقل، الغاء الدين السياسي من أجهزة الحكم، تعزيز استقلال المؤسسات، بناء كوادر واعية، تمكين المجتمع المدني الحر من تقرير مصيره وإدارة الدولة العلمانيّة الحديثة التي يمثلها الإعلام المُستقل الذي يقوم ببحث واعداد بدائل سياسيّة واضحة تسعى لترسيخ ثقافة المُساءلة وبث الوعي الحقيقي والديمقراطيّة السّياسة بين كافة المواطنين.
ما حدث بسوريا من ارتكاب مجازر ضد الإنسانيّة وإبادات جماعيّة بحق الدروز وغيرهم من الأقليات ليس حادثًا عابرًا، بل إجرامًا ممنهجًا وبنية متجذّرة تحتاج إلى تفكيك عميق بحيث يبدأ من الوعي وينتهي ببناء نظام أكثر عدالة وتوازنًا وحريّة، نظام متحرّر من كل فكر ديني متزمّت وإسلام راديكالي مُتطرف، يُؤمن بالحريّة الدينيّة والعقائديّة ويُمارس التّعدديّة الثّقافيّة والديمقراطيّة السياسيّة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سرديات أونلاين | المقدسات المسيحية في فلسطين ولبنان تحت نيرا
.. هل القاضي مقيد بالمذهب الحنفي في مشروع قانون الأحوال الشخصية
.. 10-Unless they associate others / Yusuf / 100 - 111
.. نجاة عبدالحق لـ«المصري اليوم»: معظم يهود مصر لم يهاجروا لإسر
.. جلالة الملك ينيب سمو الشيخ عبدالله بن حمد لحضور الاحتفال بمر