الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
النفوذ الأيراني في العراق
جعفر حيدر
2026 / 5 / 6مواضيع وابحاث سياسية
بقلم / جعفر حيدر
النفوذ الإيراني في العراق ليس ظاهرة عابرة أو تأثيرًا تقليديًا بين دولتين جارتين، بل هو مشروع متكامل بدأ يتشكل بوضوح بعد عام 2003 مستغلًا انهيار الدولة العراقية ومؤسساتها، حيث وجدت إيران في هذا الفراغ فرصة تاريخية لإعادة تشكيل العراق بما يخدم مصالحها الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية والعقائدية، فدخلت عبر عدة أبواب متوازية: الباب السياسي من خلال دعم أحزاب وشخصيات تدين لها بالولاء المباشر أو غير المباشر، والباب العسكري عبر إنشاء وتمويل وتسليح فصائل مسلحة أصبحت لاحقًا جزءًا من المنظومة الرسمية شكليًا لكنها عمليًا تحتفظ بولائها لطهران، والباب الاقتصادي عبر السيطرة التدريجية على الأسواق العراقية وربطها بالمنتج الإيراني، والباب الثقافي والديني عبر التغلغل في المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية، وبذلك لم يعد النفوذ الإيراني مجرد تأثير بل تحول إلى شبكة معقدة يصعب تفكيكها بسهولة. على المستوى السياسي، عملت إيران على ترسيخ طبقة حاكمة تدور في فلكها، حيث دعمت أحزابًا شيعية معينة منذ المعارضة في الخارج قبل 2003، ثم دفعتها إلى واجهة الحكم بعد الاحتلال الأمريكي، وبمرور الوقت أصبحت هذه القوى تمسك بمفاصل الدولة من برلمان وحكومة ووزارات سيادية، وغالبًا ما يتم اتخاذ قرارات مصيرية في بغداد بعد توافقات غير معلنة مع طهران، مما جعل القرار العراقي في كثير من الأحيان مرتهنًا أو على الأقل متأثرًا بالإرادة الإيرانية، وهذا لا يعني غياب إرادات عراقية مستقلة، لكنها غالبًا ما تُحاصر أو تُضعف أو تُقصى. أما عسكريًا، فإن أخطر ما في النفوذ الإيراني هو بناء قوة موازية للدولة، حيث دعمت تشكيل فصائل مسلحة منذ الأيام الأولى بعد 2003 بحجة مقاومة الاحتلال، ثم توسعت هذه الفصائل وتنوعت وأصبحت تمتلك ترسانة كبيرة من السلاح وخبرة قتالية، وبعد 2014 تم دمج الكثير منها ضمن هيئة الحشد الشعبي، لكن الدمج كان شكليًا أكثر منه فعليًا، إذ بقيت قياداتها مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وتحديدًا بفيلق القدس، ما جعل هذه الفصائل أداة ضغط داخلية وخارجية تستخدم لتوجيه السياسة العراقية أو لتصفية حسابات إقليمية، وأحيانًا لفرض واقع سياسي بالقوة، وهذا خلق ازدواجية خطيرة في السلطة بين الدولة الرسمية والدولة الموازية. اقتصاديًا، استغلت إيران ضعف الإنتاج المحلي العراقي لتغرق السوق بالبضائع الإيرانية، من أبسط السلع الغذائية إلى الكهرباء والغاز، حيث يعتمد العراق بشكل كبير على استيراد الطاقة من إيران، وهذا الاعتماد ليس بريئًا بل يُستخدم كورقة ضغط، فعندما تتوتر العلاقات أو تتأخر المدفوعات، يتم قطع الإمدادات أو التلويح بذلك، إضافة إلى ذلك هناك ملفات تهريب العملة وغسيل الأموال واستنزاف الدولار عبر مزاد البنك المركزي، وهي قضايا كثيرًا ما يُشار فيها إلى شبكات مرتبطة بنفوذ خارجي، من بينها إيران، مما يساهم في إضعاف الاقتصاد العراقي وإبقائه تابعًا بدل أن يكون منتجًا. ثقافيًا وإعلاميًا، لم يقتصر النفوذ على السياسة والسلاح، بل امتد إلى تشكيل الوعي، حيث تم دعم قنوات إعلامية ومراكز ثقافية وخطاب ديني يعزز فكرة الارتباط بإيران كمرجعية سياسية وروحية، مع إعادة صياغة بعض المفاهيم بحيث يُنظر إلى النفوذ الإيراني كحماية أو امتداد طبيعي، وليس كتدخل، وهذا النوع من النفوذ هو الأخطر لأنه يعمل بهدوء وعلى المدى الطويل، ويخلق انقسامًا داخل المجتمع بين مؤيد ورافض، وغالبًا ما يتم تخوين الطرف الرافض أو اتهامه بالعمالة لجهات أخرى. في المقابل، لا يمكن تجاهل أن جزءًا من هذا النفوذ ما كان ليتحقق لولا عوامل داخلية عراقية، مثل الفساد، وضعف الدولة، والانقسام الطائفي، وغياب مشروع وطني جامع، فإيران لم تفرض نفسها بالقوة فقط بل وجدت بيئة قابلة للاختراق، بل أحيانًا مرحبة، وهذا يعني أن المشكلة ليست خارجية فقط بل داخلية أيضًا، لأن أي نفوذ خارجي يحتاج إلى أدوات محلية ليترسخ. ومع مرور الوقت، بدأ الشارع العراقي، خاصة بعد احتجاجات تشرين 2019، يُظهر رفضًا واضحًا لهذا النفوذ، حيث ارتفعت شعارات تنتقد التدخل الإيراني بشكل صريح، وتم استهداف رموزه سياسيًا وإعلاميًا، وهذا يدل على وجود وعي متزايد ورغبة في استعادة القرار الوطني، لكن هذا الصراع لا يزال مفتوحًا، لأن النفوذ الإيراني ليس هشًا بل متجذر في بنية الدولة والمجتمع، ويملك أدوات قوية للدفاع عن نفسه، من السياسة إلى السلاح إلى الاقتصاد، لذلك فإن تقليصه أو إنهاءه لا يمكن أن يتم بخطاب فقط، بل يحتاج إلى إعادة بناء دولة حقيقية، قوية بمؤسساتها، مستقلة بقرارها، وقادرة على فرض سيادتها دون الاعتماد على الخارج، وإلا سيبقى العراق ساحة صراع مفتوحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية، وتبقى إرادته موزعة بين أكثر من مركز قوة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية للجزيرة: استهدفنا مو
.. أمريكا تصعد ضد إيران.. هل تنجح الضربات أم المفاوضات؟
.. خبير عسكري واستراتيجي: طهران بدأت تفقد قدرتها على إدارة وكلا
.. واشنطن تشدد الحصار على إيران في مضيق هرمز وتواصل استهداف موا
.. سياق الحدث | هل تجاوز التصعيد الأمريكي الإيراني سقف مذكرة ال