الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 4

بشرى الفكي
(Bushra Elfaki)

2026 / 5 / 7
مواضيع وابحاث سياسية


العمالة في الإمارات: الحداثة المبنية على الهشاشة الاجتماعية
لا تُقاس حداثة الدول بواجهاتها المعمارية ولا بسرعة نموها الاقتصادي وحدهما، إنما بالإضافة إلى ذلك تقاس بالكيفية التي تُنظَّم بها حياة البشر داخل هذه الحداثة. فكل نموذج اقتصادي، مهما بدا ناجحًا في مؤشرات النمو، يحمل في داخله بنية اجتماعية تُحدد من يستفيد، ومن يعمل، ومن يُقصى، ومن يُمنح صوتًا، ومن يبقى خارج المجال السياسي. وفي الحالة الإماراتية، لا يمكن فهم "النجاح الاقتصادي" دون التوقف عند البنية التي يقوم عليها، وفي هذا السياق، يمكن توصيفه بأنه نظام عمل يعتمد على أغلبية وافدة، تعمل داخل فضاء اقتصادي عالمي، دون أن تنتمي سياسيًا إلى الدولة التي تُسهم في بنائها.
لقد نشأ الاقتصاد الإماراتي، خصوصًا منذ مرحلة ما بعد النفط، بوصفه اقتصادًا مفتوحًا على العالم، يستوعب تدفقات رأس المال، ويعيد توزيعها عبر قطاعات الخدمات والعقار والتجارة. لكن هذا الانفتاح لم يكن ممكنًا دون بنية عمل مرنة وقابلة للتوسع السريع، وهو ما تحقق عبر الاعتماد الواسع على العمالة المهاجرة. فهذه العمالة لم تكن عنصرًا مساعدًا، لقد أصبحت الركيزة الأساسية لتشغيل الاقتصاد، من البناء والبنية التحتية، إلى الخدمات والضيافة والنقل.
في هذا السياق، لم يعد المجتمع يُعرّف فقط من خلال مواطنيه، بقدر ما يُعرف من خلال تركيبة ديموغرافية معقدة، حيث يشكل الوافدون النسبة الأكبر من السكان. هذا التحول لا يعكس مجرد تنوع ثقافي، إنه يعبر عن نمط خاص من التنظيم الاجتماعي، حيث يُفصل بين الاقتصاد والسياسة بحيث يكون الاقتصاد مفتوح للعالم، بينما تبقى المواطنة، بما تحمله من حقوق سياسية، محدودة ضمن إطار ضيق.
هذه البنية تطرح مفارقة أساسية وهي كيف يمكن لاقتصاد أن يكون عالميًا إلى هذا الحد، بينما يظل المجتمع السياسي محدودًا بهذا الشكل؟ هنا يظهر أن الانفتاح الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى انفتاح اجتماعي أو سياسي، بل يمكن أن يتعايش معه، بل وأن يعتمد عليه. ومن الناحية النظرية، يمكن فهم هذا النموذج ضمن ما يسميه ديفيد هارفي بإعادة تنظيم العمل داخل الرأسمالية المعولمة، حيث يتم نقل العمل إلى حيث يكون أكثر مرونة وأقل تكلفة، مع الحفاظ على تدفقات رأس المال عبر الحدود (Harvey, 2003). وفي الإمارات، يُعاد تنظيم العمل قانونيًا واجتماعيًا ضمن نظام يوازن بين متطلبات النمو الاقتصادي واعتبارات الاستقرار السياسي، ولا ينتقل فقط جغرافيًا.
يظهر هذا التوازن بوضوح في نظام الكفالة، الذي ينظم علاقة العامل الوافد بصاحب العمل. فالعامل لا يدخل السوق كفاعل حر بالكامل، بل ضمن إطار تعاقدي يربطه قانونيًا وإداريًا بصاحب العمل. هذا النظام يوفر درجة عالية من التحكم في سوق العمل، ويمنح الاقتصاد مرونة كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يحد من استقلالية العامل، ويخلق علاقة غير متكافئة بين الطرفين.
لكن قراءة هذا النظام ينبغي أن تكون بنيوية، وليس أخلاقية فقط. فالسؤال ليس فقط هل هو عادل؟ وإنما السؤال ينبغي أن يكون لماذا يوجد؟ الجواب يكمن في طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه، الذي يحتاج إلى قوى عمل قابلة للتوسع والانكماش بسرعة، تكاليف منخفضة نسبيًا، واستقرار اجتماعي لا يتأثر بتقلبات السوق. ومن هنا، تصبح العمالة الوافدة ليست مجرد عنصر اقتصادي، إنها تمثل بالإضافة إلى ذلك أداة تنظيمية داخل النموذج.
ومع ذلك، فإن هذه البنية ليست خالية من التوترات. فالفصل بين من يعمل ومن يشارك سياسيًا يخلق حالة من الازدواجية ما بين اقتصاد عالمي، ومجتمع سياسي محدود. كما أن الاعتماد الكبير على العمالة الخارجية يجعل الاقتصاد عرضة لتحولات في أسواق العمل العالمية، ولضغوط حقوقية دولية، خاصة مع تزايد الاهتمام بقضايا العمل وحقوق الإنسان. ووقد أشارت تقارير دولية متعددة إلى التحديات المرتبطة بظروف العمل، مثل ساعات العمل الطويلة، أو القيود المرتبطة بالعقود، رغم وجود إصلاحات تدريجية في السنوات الأخيرة تهدف إلى تحسين هذه الأوضاع. غير أن هذه الإصلاحات، مهما كانت مهمة، لا تغير من البنية الأساسية للنموذج، ولكنها فقط تعدل في حدوده.
في هذا الإطار، يمكن قراءة التجربة الإماراتية بوصفها نموذجًا لما يسميه بعض الباحثين "العولمة غير المتكافئة"، حيث تتحرك رؤوس الأموال بحرية، بينما تبقى حركة البشر خاضعة لقيود، ويتم توزيع الحقوق بشكل غير متساوٍ داخل النظام نفسه. وهنا، لا يكون التفاوت مجرد نتيجة عرضية، إنه جزءًا من طريقة عمل النظام.
لكن هذه الهشاشة ليست فقط اجتماعية، لكنها تحمل أبعادًا اقتصادية أيضًا. فالنموذج الذي يعتمد على تدفقات العمالة يمكن أن يتأثر بسرعة في حال تغيرت الظروف الاقتصادية العالمية، أو في حال حدثت تحولات في سياسات الهجرة، أو حتى في حال تغيرت تفضيلات العمالة نفسها. وهذا ما يجعل الاستقرار الذي يبدو قويًا في الظاهر، قائمًا على توازن دقيق بين عوامل متعددة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذه التجربة في بعدها السلبي فقط. فقد وفرت الإمارات فرص عمل لملايين الأشخاص من مختلف أنحاء العالم، وساهمت في تحسين مستويات معيشتهم مقارنة ببلدانهم الأصلية. وهذا يضيف طبقة أخرى من التعقيد، وهي أن النظام الذي يُنتقد لعدم تكافؤه، هو في الوقت نفسه مصدر فرص لكثيرين. وهنا تظهر إحدى أعقد مفارقات العولمة وهي أن النظام قد يكون غير عادل في بنيته، لكنه يظل مفيدًا لبعض أطرافه. وهذا ما يجعل تقييمه أكثر تعقيدًا من مجرد حكم أخلاقي بسيط.
في النهاية، تكشف بنية العمل في الإمارات عن حقيقة أعمق وهي أن الحداثة ليست دائمًا متجانسة، وأن التقدم الاقتصادي يمكن أن يتعايش مع تفاوتات اجتماعية عميقة. إنها حداثة تُبنى بسرعة، لكنها تعتمد على توازنات دقيقة، بين الانفتاح والانغلاق، بين المرونة والسيطرة، بين الفرص والقيود. ومن هنا، لا يمكن فهم الاقتصاد الإماراتي دون فهم الإنسان الذي يقوم عليه. فالمباني، والموانئ، والمراكز المالية، ليست سوى الواجهة. أما البنية الحقيقية، فهي تلك الشبكة المعقدة من العلاقات التي تربط العمل برأس المال، والاقتصاد بالسلطة، والعالم المحلي بالنظام العالمي. وفي هذه الشبكة، يتضح أن الحداثة، مهما بدت صلبة، تقوم أحيانًا على أسس أكثر هشاشة مما تبدو عليه.
قائمة المراجع
Harvey, D. (2003). The New Imperialism. Oxford University Press.
Hanieh, A. (2018). Money, Markets, and Monarchies: The Gulf Cooperation Council and the Political Economy of the Contemporary Middle East. Cambridge University Press.
International Labour Organization (ILO). (2021). Labour Migration in the Arab States.
Amnesty International. (2023). UAE: Labour Rights and Reforms.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لقاء الزيدي وترامب.. فصل جديد في العلاقات بين واشنطن وبغداد؟


.. نتنياهو يتوعد قادة إيران.. وترامب يهدد بنسف حصن نظنز النووي




.. وزير الخارجية الإسباني السابق ميغيل أنخيل يشيد بإرث الأمير ا


.. ترمب يعزي أمير دولة قطر في وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خ




.. الرئيس الأوكراني يشارك الرئيس ماكرون الاحتفال بالعيد الوطني