الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المثقف وصناعة الوعي السياحي: رؤية من منظور -ما بعد الإدراك-

ابراهيم مصطفى شلبى

2026 / 5 / 8
الادب والفن


حين تلقيت الدعوة الكريمة من جريدة "الأيام نيوز" الجزائرية، ومن رئاسة تحريرها المستنيرة بقيادة الأستاذ خالد عز الدين، وبترشيح من رفيق الدرب الفنان السوري عامر الخطيب، للحديث عن "مسؤولية المثقف في التربية السياحية وحماية التراث"، وجدت نفسي أمام خيارين:
إما كتابة مقال مليء بالتوصيات النظرية، أو العودة إلى الذات لسؤالها: "ماذا قدمتُ أنا؟"؛ فالمثل الشعبي يقول "اللي على البر شاطر"، والمصداقية تقتضي أن يبدأ التغيير من الدوائر الصغرى للفنان والمثقف
لقد آمنت دائماً أن التراث المادي واللامادي ليس " هو كيان حي يحمل في طياته بذور التنمية المستدامة.
من هذا المنطلق، بدأت بنفسي وأسرتي، فكانت الرحلات السنوية (شتاء وصيفاً) طقساً مقدساً لاستكشاف هوية مصر وتنوعها.
لم تكن هذه الرحلات مجرد نزهات عابرة، حيث كانت "تنشئة بصرية" تهدف لكسر حاجز الصورة الذهنية المعلبة.
في الصيف، وعلى مدار عشرين عاماً، جلنا شواطئ الإسكندرية، وجمصة، وبلطيم، ورأس البر، وبورسعيد.
في هذه الشواطئ رأيت "جوهر البهجة الإنسانية"؛ وهو ما تبلور في مشروع "ع الرملة".
140 لوحة زيتية رصدت فيها حركة الأطفال وتفاعل الأجساد مع الطبيعة، وهي محاولة لتوثيق "تراث المشاعر اللامادي".
احتفاء الدولة بهذا المشروع بفتح جاليريهاتها وصفحات الجرائد والتلفزبون الرسمي أكد لي أن دور المثقف هو "تحويل العادي إلى استثنائي"، وإعادة تصدير الجمال المحلي كقيمة سياحية واقتصادية جاذبة.
أما شتاءا، فكانت المتاحف في الأقصر وأسوان والقاهرة ورشيد هي المحج.
أسفرت هذه الرحلات عن سلسلة كتب (المتحف)، التي تعد أدلة سياحية لـ 95 متحف مصري بتوزيعهم الإقليمي، و محاولة لـ "أنسنة الحجر" وفهم التطور المعماري والفني لرواد مثل متاحف محمود مختار و محمد ناجي ومحمود سعيد.
في ثلاث كتب متخصصة حملت السيرة والمسيرة والانتاج الفني لكل فنان ومتحف واعمل الان علي كتاب توثيقي لمقتنيات متحف الخزف الاسلامي
في مشروعي تيار "ما بعد الإدراك"، نحن نحذر من "الكهف الرقمي" الذي نعيش فيه؛ حيث تستبدل الشاشات والذكاء الاصطناعي حقيقة الأثر بـ "نسخة بكسلية" باهتة.
هنا تظهر الأهمية القصوى للمتاحف والسياحة التراثية كأدوات لـ "المناعة الإدراكية":
بينما يغرق العالم في "التزييف العميق"، تقدم المتاحف "الحقيقة المادية" الصرفة.
لمس الحجر، رؤية أثر الأزميل على التمثال، واستنشاق عبق التاريخ، هي أفعال تعيد للفرد قدرته على التمييز بين الحقيقة والمحاكاة الرقمية.
- التربية السياحية في تيارنا لا تعني "الفرجة"، بقدر ما تعني "الإدراك".
أن يفهم المواطن او السائح كيف صنع الأثر وما هي الفلسفة الكامنة وراءه، هو تحويل للسياحة من استهلاك بصري إلى "استيقاظ ذهني".
-إن حماية التراث هي ضرورة اقتصادية استراتيجية.
المتاحف والمناطق التراثية هي "مصانع لا تغلق أبوابها":
- المتاحف تفتح بيوت آلاف الأسر؛ من المرممين والباحثين إلى المرشدين والحرفيين المهرة الذين يعيدون إحياء التراث في صناعات يدوية .
- ان توثيق المتاحف إقليمياً (كما فعلت في كتبي) يوزع خريطة التنمية، ويخلق مراكز اقتصادية في محافظات بعيدة عن المركز، مما ينعش التجارة المحلية والخدمات السياحية.
-ان السياحة الثقافية هي المورد الوحيد الذي لا ينضب؛ فالمادة الخام هي "التاريخ"، وهو المورد الذي تزداد قيمته السوقية كلما مر عليه الزمن.
إن مسؤولية المثقف تتلخص في مد الجسور بين الماضي والمستقبل ليحمي المجتمع من "القطيعة المعرفية".
إن حماية التراث المادي (كالمباني والآثار) واللامادي (كالعادات والحرف والقصص) هي الحصن الذي يمنع القطيعة بين الأجيال.
ولكنها أيضاً "مشروع اقتصادي" ضخم يتطلب من المثقف أن يكون "مروجاً ذكياً" لثروات بلاده.
مبادرتي المتواضعة في سلسلة "المتحف" ومشروع "ع الرملة" كانت محاولة لتمكين المتلقي العربي من امتلاك "سيادة إدراكية" على تاريخه.
ومد جسور بين الماضي والمستقبل. فالمثقف الحقيقي هو من يحول التراث من "حجر صامت" إلى "طاقة منتجة" تلهم الأجيال، وتدعم الاقتصاد، وتضع الهوية الوطنية في مكانها اللائق على خارطة العالم
نحن لا نزور المتاحف لنرى الماضي، لكن لنعرف من نحن في الحاضر، ولنبني مستقبلاً لا يضيع فيه "الأصل" وسط ضجيج "النسخ".
إبراهيم شلبي
مؤسس تيار ما بعد الإدراك








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. من أمام الكاميرا إلى قلب الشخصية.. أحمد سعيد يكشف أسرار التم


.. وفاة الفنان عمرو محمد علي وتشييع جنازته بمسجد عطاء الله السك




.. إياد صالح مؤلف محمود التاني: فكرة الفيلم بتمس ناس كتير


.. ما الرواية الإيرانية بشأن استهداف مكتب رئيس حكومة إقليم كردس




.. تفاعلكم | إجازة عائلية في تايلاند تتحول إلى فيلم رعب!