الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
صوماليلاند في عيدها الوطني، صمود دولة تتقاطعها المصالح الإقليمية والدولية
رائد الجحافي
كاتب ومحامي
(Raed Al-jhafi)
2026 / 5 / 8
السياسة والعلاقات الدولية
في الـ18 مايو من كل عام تحتفل صوماليلاند بيومها الوطني امتداداً إلى تاريخ 18 مايو عام1991، وهو اليوم الذي أعلن فيه ممثلو الحركة السياسية في الإقليم انفصال من جانب واحد عن الصومال، بعد انهيار الحكومة المركزية في مقديشو..
وبهكذا مناسبة تدفعنا للغوص في ماهية الوضع الذي تعيشه صوماليلاند اليوم وماهي احتمالات انتصارها واخفاقها..
ففي جغرافيا القرن الأفريقي، حيث تتقاطع خطوط التاريخ مع خرائط النفوذ الحديثة، تقف صوماليلاند كحالة سياسية نادرة بالمعايير الكلاسيكية للدولة، لكنها شديدة الحضور في الحسابات الجيوسياسية المعاصرة. فمنذ إعلانها الانفصال عن الصومال عام 1991، وهي تعيش مفارقة مركبة فهي كيان يمارس وظائف الدولة المستقلة، لكنه محجوب عن الاعتراف الدولي، وكأن الشرعية هنا تُدار بمنطق مزدوج، شرعية الأمر الواقع مقابل شرعية القانون الدولي..
بين الدولة غير المكتملة والكيان المستقر
في صوماليلاند، تبدو معالم الدولة حاضرة بوضوح، مؤسسات سياسية، تداول انتخابي نسبي، أجهزة أمنية منظمة، وعملة وطنية تدور في الاقتصاد المحلي. غير أن هذا البناء، مهما بدا متماسكاً، يظل خارج الإطار السيادي المعترف به دولياً، ليجعل من صوماليلاند نموذجاً نادراً لكيان ينجح داخلياً ويُعلّق خارجياً..
هذه المفارقة ليست تقنية أو قانونية فحسب، بل هي في جوهرها سؤال فلسفي حول معنى الدولة: هل تقاس بالاعتراف أم بالقدرة على الاستمرار؟..
يبرز الأمر هنا من خلال الجغرافيا كقدر سياسي، بحيث لا يمكن فهم صوماليلاند خارج جغرافيتها. فهي تطل على خاصرة استراتيجية من العالم، عند مدخل خليج عدن وبالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية للتجارة العالمية والطاقة. هذا الموقع يضعها ضمن هندسة الأمن البحري الدولي..
في هذا السياق، لم تعد القضية صراعاً داخلياً بين هرجيسا ومقديشو، بل تحولت تدريجياً إلى ملف يقع على تقاطع مصالح كبرى تتجاوز الدولة الصومالية نفسها، وتدخل في حسابات التجارة العالمية وأمن الممرات البحرية..
اقتصادياً، تعتمد صوماليلاند على مزيج هش من التحويلات المالية من دول الشتات، والإيرادات المحلية، والتجارة غير الرسمية. ومع ذلك، تسعى القيادة المحلية إلى تحويل هذا الاقتصاد المحدود إلى منصة أكثر اندماجاً، عبر تطوير البنية التحتية، وفي مقدمتها ميناء بربرة، الذي يُنظر إليه كبوابة محتملة لإعادة رسم الخريطة التجارية للمنطقة.
لكن غياب الاعتراف الدولي يفرض سقفاً صارماً على هذا الطموح، إذ يحد من الوصول إلى النظام المالي العالمي، ويجعل الاستثمار الخارجي رهينة الحسابات السياسية لا الاقتصادية فقط..
أما مسألة شرعية الداخل تستند فكرة الاستقلال في صوماليلاند إلى سردية الاستقرار مقارنة بتجربة الدولة المركزية في الصومال التي شهدت عقوداً من التفكك. هذه المقارنة تغذي خطاباً سياسياً يرى في الانفصال ضمانة للاستقرار، لا مجرد هواية.
لكن خارجياً، يظل الموقف الدولي محكوماً بقاعدة وحدة الدول في أفريقيا، وهو إرث سياسي تاريخي ارتبط بخوف القارة من تفكك الحدود الموروثة عن الاستعمار. وهنا تتجلى المفارقة، من حيث استقرار فعلي لا يقابله اعتراف، ورفض قانوني لا يلغي الواقع..
وفي مرآة التنافس الدولي تحضر صوماليلاند مع تصاعد التنافس الجيوسياسي في البحر الأحمر، إذ تحولت صوماليلاند من ملف هامشي إلى نقطة جذب في صراع النفوذ الإقليمي والدولي.
فاثبوبيا تنظر إليها بوصفها نافذة محتملة على البحر، في ظل كونها دولة حبيسة تبحث عن منفذ استراتيجي يقلل اعتمادها على الجوار. هذا الطموح يعتبر إعادة صياغة لمعادلة القوة في القرن الأفريقي.
في المقابل، تتحرك الامارات العربية المتحدة عبر أدوات الاستثمار في الموانئ والبنية التحتية، مع تركيز خاص على ميناء بربرة، في إطار استراتيجية أوسع لتأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن..
أما تركيا وقطر، فتميلان إلى دعم وحدة الصومال، عبر حضور اقتصادي وأمني في مقديشو، بما يعكس رؤية مختلفة لمستقبل الدولة الصومالية.
وفي الخلفية، تتعامل الولايات المتحدة الأمريكية والصين مع الملف من زاوية الأمن البحري واستقرار الممرات التجارية، دون الانخراط في اعتراف سياسي مباشر، ما يعكس براغماتية القوى الكبرى التي تفصل بين الاعتراف والسيطرة الوظيفية..
ومن حيث استراتيجية البحر الأحمر الذي أصبح مركز ثقل استراتيجي عالمي. فكل تطور في محيطه ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية، وعلى أمن الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا. في هذا السياق، تتحول صوماليلاند إلى عقدة صغيرة داخل شبكة نفوذ أكبر بكثير من حدودها الفعلية..
وبالمجمل، لا يمكن قراءة صوماليلاند كقصة انفصال تقليدية، بل كمرآة لاختلال أوسع في النظام الدولي ذاته، حيث تتباين الشرعية القانونية مع منطق الفاعلية السياسية.
إنها ليست دولة مكتملة ولا مجرد إقليم عابر، بل كيان معلق بين زمنين، زمن الدولة القومية الكلاسيكية، وزمن الجغرافيا السياسية المفتوحة التي تعيد فيها القوى الكبرى رسم الخرائط وفق مصالحها..
وهكذا، تبقى صوماليلاند سؤالاً أعمق عن طبيعة النظام الدولي نفسه، وهو من يملك حق تعريف الدولة في عالم لم يعد ثابتاً كما كان؟.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تصعيد أمريكي إيراني جديد.. هل عادت المواجهة العسكرية؟
.. مواقف الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الإنسانية وال
.. واشنطن تعلن انتهاء موجة الضربات ضد عشرات الأهداف العسكرية في
.. الحرس الثوري الإيراني يعلن استهداف قاعدة أحمد الجابر بالكويت
.. الدكتور لقاء مكي: الأمير الوالد رسخ نهجا جعل قطر صوتا للمظلو