الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المحاصصة الطائفية وتوزيع الفساد بالتساوي
جعفر حيدر
2026 / 5 / 8مواضيع وابحاث سياسية
المحاصصة الطائفية وتوزيع الفساد بالتساوي ليست مجرد توصيف نقدي عابر للحالة السياسية في العراق، بل تمثل مدخلًا لفهم بنية نظام كامل تشكّل بعد عام 2003 على أسس مغايرة لفكرة الدولة الحديثة، حيث لم يُبنَ النظام السياسي على قاعدة المواطنة المتساوية والمؤسسات المحايدة، بل على قاعدة التمثيل المكوّناتي الذي يربط السلطة بالهوية الفرعية، الأمر الذي أفضى إلى إعادة تعريف الدولة نفسها بوصفها ساحة لتقاسم النفوذ بين القوى السياسية، وفي هذا السياق برزت المحاصصة الطائفية كآلية لتوزيع المناصب العليا والوزارات والهيئات، بحيث أصبح من شبه الثابت أن تُمنح رئاسة الجمهورية للأكراد، ورئاسة الوزراء للشيعة، ورئاسة مجلس النواب للسنة، وهي صيغة يُفترض نظريًا أنها تضمن مشاركة الجميع وتمنع الإقصاء، لكنها عمليًا فتحت الباب أمام تحوّل أخطر تمثل في ربط كل موقع حكومي بجهة سياسية تتعامل معه كملكية شبه خاصة، ومع ترسّخ هذا النمط لم يعد الفساد حالة استثنائية أو نتيجة ضعف رقابي فقط، بل أصبح جزءًا عضويًا من طريقة إدارة الدولة، وهنا يظهر مفهوم "توزيع الفساد بالتساوي" بوصفه نتيجة مباشرة لمنطق المحاصصة، حيث لا يحتكر طرف واحد الفساد بل يتوزع بين الأطراف بحسب حصصهم في السلطة، مما يخلق نوعًا من التوازن السلبي القائم على تبادل المصالح والصمت المتبادل، فكل جهة تمتلك ملفات على الأخرى، وكل جهة تخشى أن تؤدي محاسبة خصمها إلى فتح ملفاتها هي أيضًا، وبذلك تتشكل شبكة معقدة من الحماية المتبادلة تجعل من الفساد ظاهرة محصّنة سياسيًا أكثر مما هي قابلة للمعالجة القانونية، ومن الناحية العملية يمكن ملاحظة ذلك من خلال طريقة إدارة الوزارات، إذ غالبًا ما تُسند وزارة معينة إلى حزب أو كتلة سياسية، فتتحول هذه الوزارة إلى مساحة نفوذ تُدار عبر تعيين الموالين وتوجيه العقود والمشاريع بما يخدم مصالح الجهة المسيطرة، فعلى سبيل المثال شهدت بعض الوزارات الخدمية في فترات مختلفة شبهات فساد كبيرة تتعلق بعقود الكهرباء أو الإعمار أو التجهيز، حيث تُبرم صفقات بمبالغ ضخمة دون تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، ورغم تداول هذه القضايا إعلاميًا وبرلمانيًا، إلا أن المحاسبة الجذرية غالبًا ما تكون محدودة أو انتقائية بسبب تداخل المصالح بين الكتل، وكذلك الحال في ملف التعيينات، حيث يُستخدم التوظيف الحكومي كأداة لتعزيز القاعدة الشعبية للأحزاب، فيتم توزيع الوظائف وفق الانتماء الحزبي أو الطائفي بدلًا من الكفاءة، مما يؤدي إلى تضخم الجهاز الإداري وضعف الإنتاجية، وهو شكل غير مباشر من أشكال الفساد المرتبط بالمحاصصة، كما يمكن الإشارة إلى ظاهرة "الدرجات الخاصة" التي تُعد من أبرز مفاصل الدولة، إذ تُوزع هذه المناصب الحساسة بين القوى السياسية، فتضع كل جهة أشخاصًا موالين لها في مواقع القرار، الأمر الذي يعمّق الانقسام داخل المؤسسة الواحدة ويجعل اتخاذ القرار خاضعًا للتوازنات السياسية بدلًا من المصلحة العامة، ومن جهة أخرى، فإن هذا النظام ينعكس على عمل البرلمان نفسه، حيث تتحول الرقابة البرلمانية إلى أداة تفاوض أكثر من كونها أداة مساءلة حقيقية، فاستجواب وزير قد لا يكون بدافع كشف الفساد بقدر ما يكون جزءًا من صراع سياسي بين الكتل، وقد يُغلق الملف بمجرد الوصول إلى تسوية، وهو ما يعزز فكرة أن الفساد ليس مجرد مخالفة بل عنصر داخل لعبة السلطة، كما أن القضاء، رغم استقلاله النظري، يتأثر في بعض الأحيان بالضغوط السياسية أو بتشابك المصالح، مما يحدّ من قدرته على معالجة ملفات كبرى بشكل حاسم، وفي ظل هذا الواقع يفقد المواطن ثقته تدريجيًا بمؤسسات الدولة، لأنه لا يرى نتائج ملموسة لمحاسبة الفاسدين ولا تحسنًا حقيقيًا في الخدمات، بل يلاحظ استمرار نفس الوجوه ونفس الأساليب، وهو ما أدى إلى بروز احتجاجات شعبية واسعة، كما حدث في تظاهرات تشرين، حيث عبّر المحتجون عن رفضهم لنظام المحاصصة باعتباره أصل المشكلة، وليس مجرد عرض من أعراضها، إذ رفعوا شعارات تدعو إلى دولة المواطنة وإنهاء تقاسم السلطة على أساس الهوية، ومن الناحية النظرية يمكن القول إن نظام تقاسم السلطة أو الديمقراطية التوافقية قد ينجح في مجتمعات منقسمة إذا كان قائمًا على مؤسسات قوية وقواعد واضحة تحدّ من استغلال السلطة، لكن في الحالة العراقية تداخل هذا النظام مع ضعف الدولة وغياب الرقابة الفعالة، مما جعله يتحول من أداة لتحقيق الاستقرار إلى سبب في تكريس الفساد وتعطيل التنمية، وبالتالي فإن الحديث عن الإصلاح لا يمكن أن يقتصر على معالجة مظاهر الفساد فقط، بل يجب أن يتجه إلى جذور المشكلة المتمثلة في بنية النظام السياسي نفسه، من خلال إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة والمواطنة، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل الرقابة الحقيقية، وفصل العمل الحزبي عن إدارة الدولة، لأن بقاء المحاصصة بصيغتها الحالية يعني استمرار إنتاج نفس النتائج، أي دولة ضعيفة، ومؤسسات منقسمة، وفساد موزع بالتساوي بين أطراف تمتلك من القوة ما يكفي لحماية نفسها، لكنها في الوقت ذاته تعجز عن بناء نظام يخدم الجميع بشكل عادل ومستقر.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. التصعيد الأمريكي الإيراني يتسارع.. ضربات أمريكية متواصلة وتر
.. حرائق غابات فونتينبلو قرب باريس.. الاعترافات تعزز فرضية الحر
.. اشتباكات أمريكية إيرانية في مضيق هرمز.. إلى أين يتجه التصعيد
.. 7 ساعات من القصف.. أميركا تضرب القدرات العسكرية الإيرانية في
.. ترمب يمنح إيران مهلة أخيرة.. وإلا تبدأ الضربات الكبرى