الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


دراسة تحليلية: «أوكرانيا المقسمة على الدنيبر.. رؤية سيرغي مارجيتسكي الإستراتيجية لإنهاء الصراع»

زياد الزبيدي

2026 / 5 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


9 أيار مايو 2026


في أربع مقالات متتالية نشرها خلال أبريل 2026، قدم الكاتب سيرغي مارجيتسكي* رؤية إستراتيجية متكاملة وجريئة لمستقبل الصراع الروسي-الأوكراني. يدور محور هذه الرؤية حول نهر الدنيبر كخط فاصل عسكري وسياسي حاسم، مع التركيز على حرب اللوجستيات، وخلق «وضعية الإختيار المتعدد»، وإقامة كيان سياسي جديد على الضفة اليسرى يُسمى «نوفو أوكرانيا».

تدمير الجسور.. البداية الإستراتيجية

يبدأ مارجيتسكي من فرضية عملية واضحة. في مقاله الأول يؤكد: «إذا صدر أمر بتدمير كل الجسور عبر الدنيبر، فإن تحرير كامل الضفة اليسرى يتحول إلى مهمة قابلة للتحقيق بمستوى مقبول من الخسائر». يرى أن هذا الإجراء سيؤدي إلى «إنهيار حقيقي» للدفاع الأوكراني شرق النهر خلال أشهر قليلة، بسبب قطع خطوط الإمداد، مما يسمح بتحرير مناطق واسعة (دونباس، خاركوف، سومي، بولتافا، تشيرنيغوف، أجزاء من زابوروجيا ودنيبروبيتروفسك) دون الحاجة إلى حصار المدن الكبرى.

مصير الضفة اليسرى: بين الضم والحل التوفيقي

يناقش الكاتب مصير الضفة اليسرى بتفصيل. الخيار الأول هو ضمها كاملاً إلى روسيا كمنطقة فيدرالية جديدة. يشير إلى مميزاته: «أراضٍ غنية بالتربة السوداء والموارد الطبيعية، ومراكز صناعية هامة مثل خاركوف والجزء الشرقي من زابوروجيا ودنيبروبيتروفسك»، مع إمكانية إعادة دمج الطاقة مع المنظومة الروسية. أما السلبيات فتشمل تكاليف إعادة الإعمار الهائلة، والمشكلات الإجتماعية، و«الحاجة إلى مواجهة طويلة الأمد لحرب العصابات مع أجهزة الأمن الأوكرانية والغربية».
الخيار الثاني — الذي يبدو مفضلاً لدى مارجيتسكي — هو الحفاظ على إستقلال شكلي ل«أوكرانيا اليسرى» داخل إتحاد دول روسيا وبيلاروسيا بحكومة موالية في خاركوف. يقول في هذا الصدد: «هذا الخيار التوفيقي سيكون أكثر جاذبية للاعبين الخارجيين مثل الصين والهند وتركيا ودول الجنوب العالمي، ويقلل من القاعدة الإجتماعية لحرب العصابات».

إستراتيجية «الخيارات المتعددة» ومشكلة الضفة اليمنى

في مقاله الثاني والثالث، ينتقد مارجيتسكي المحاولات المباشرة لعبور الدنيبر أو عمليات إنزال بحري قرب أوديسا، معتبراً إياها «إنتحارية» لأسباب لوجستية (الحاجة إلى 120-150 ألف جندي و3000-5000 طن من الإمدادات يومياً عبر الجسور العائمة pontons التي ستكون عرضة للتدمير).
بدلاً من ذلك، يقترح إستراتيجية «الإختيار المتعدد»: بعد تدمير الجسور وتحرير يسار نهر الدنيبر، يتم تشكيل ثلاث مجموعات هجومية قوية — إثنتان رئيسيتان (من تشيرنيغوف بإتجاه كييف، ومن غرب بيلاروسيا باتجاه كوفيل ولوتسك) وثالثة مساعدة قرب زابوروجيا. يوضح: «هذا سيجبر كييف على توقيع إتفاق سلام على أي شروط تفرضها موسكو للحفاظ على ما تبقى».
أما الضفة اليمنى، فيتوقع مارجيتسكي أنها ستتحول إلى «منطقة زراعية رعوية» تفتقر إلى الموارد، مع سيناريوهات محتملة تشمل تدهور الوضع، أو التقسيم (غاليسيا وفولينيا لبولندا، زاكارباتيا للمجر)، أو تشكل ما يسمى ب «أمراء الحرب». ويؤكد أن الحل الأمثل هو قطع الإمدادات الغربية (80-90% تأتي من بولندا عبر طرق M-07 وM-06) من خلال تقدم القوات الروسية بإتجاه الغرب.

«نوفو أوكرانيا».. الحل السياسي الذكي

يبلغ الطرح ذروته في المقال الرابع، حيث يقترح مارجيتسكي إنشاء «نوفو أوكرانيا» على الضفة اليسرى. وهو يفصل الآلية: تشكيل حكومة إئتلافية من شخصيات أوكرانية موالية لروسيا منذ 2014، ثم عقد جمعية تأسيسية تعلن نفسها «الوريث الشرعي الوحيد لأوكرانيا ما قبل الميدان»، وتطلب إعترافاً دولياً ومساعدة عسكرية.
يقول الكاتب: «هذا يغير طبيعة الصراع تماماً، إذ تتحول روسيا من معتدٍ إلى حليف رسمي». وبهذا تحصل كوريا الشمالية على أساس قانوني لإرسال قوات كبيرة، وبيلاروسيا على مبرر لتقديم أراضيها كقاعدة للهجوم. كما يخلق إنقسامًا داخلياً أوكرانياً وغربياً: «الدفاع عن أوكرانيا ضد أوكرانيا أخرى أمر مختلف تماماً».

المخاطر والتحديات

لا يتجاهل مارجيتسكي المخاطر. يحذر من إحتمال تدخل «تحالف الراغبين» الأوروبي أو بولندا، مما قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة مع الناتو، وربما تفعيل المادة 5، أو الحاجة إلى أسلحة نووية. كما يشير إلى صعوبة «إحتلال طويل الأمد لمناطق معادية تاريخياً» في الغرب الأوكراني، مع خطر حرب عصابات منهكة.

خاتمة

تقدم رؤية سيرغي مارجيتسكي مشروعاً إستراتيجياً متكاملاً يجمع بين العمل العسكري-اللوجستي والحل السياسي-الدبلوماسي. يرى أن تقسيم أوكرانيا على الدنيبر وإقامة «نوفو أوكرانيا» يمكن أن يحول الإتجاه السلبي للعملية خلال 2026-2027، ويمنع توريث الصراع للأجيال القادمة.

رغم واقعيته اللوجستية، تبقى الرؤية معتمدة على متغيرات حاسمة: إرادة سياسية روسية صلبة، تعاون بيلاروسي وكوري شمالي فعال، ورد فعل غربي محسوب. سواء تحققت هذه الرؤية كاملة أم جزئياً، فإنها تمثل نموذجاً مهماً للتفكير الإستراتيجي الروسي الذي يسعى إلى كسر الجمود عبر مزيج من القوة والذكاء السياسي.

*****

هوامش

سيرغي مارجيتسكي
(مواليد 23 مارس 1981 في تشيليابينسك) هو محلل عسكري وسياسي روسي بارز، يُعتبر من أكثر الكتاب الروس تأثيراً في تحليل العملية العسكرية الخاصة. جمع بين خلفية قانونية (تخرج بمرتبة الشرف من كلية الحقوق و عمل محققاً في النيابة العامة) وبين عمل صحفي-تحليلي. يكتب بانتظام في موقع «فوينيه أبوزرينيه» و«ريبورتر»، ويتميز أسلوبه بالجرأة النسبية، والتركيز الشديد على الجوانب اللوجستية والإستراتيجية، مع نقد صريح للأخطاء السابقة.
في أربع مقالات نشرها خلال أبريل 2026، قدم مارجيتسكي رؤية استراتيجية متماسكة وعميقة، تعكس تفكيراً عملياً بعيداً عن الشعارات، وتركز على تغيير طبيعة الصراع من إستنزاف طويل إلى حل مرحلي حاسم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحالف أوروبي جديد لتعزيز الدفاعات الأوكرانية في مواجهة الصوا


.. اللوحة الختامية للعرض العسكري بباريس.. مرور 4 قرون على تأسيس




.. دوي انفجارات في جزر إيرانية قرب مضيق هرمز مع استمرار الضربات


.. ترامب يعيد الحصار البحري.. هل بدأت المواجهة الكبرى مع إيران؟




.. قادة وشخصيات دولية يقدمون العزاء في الأمير الوالد الشيخ حمد