الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 6

بشرى الفكي
(Bushra Elfaki)

2026 / 5 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


الإمارات كقوة إقليمية: من الداخل إلى الخارج: سياسة النفوذ في زمن السيولة
لا تتحول الدول إلى فواعل إقليمية لأن جغرافيتها تغيّرت فجأة، ولكن لأن موقعها داخل النظام العالمي تغيّر، ولأن أدواتها لإنتاج القوة لم تعد محصورة داخل حدودها. وفي حالة الإمارات، لم يكن الانتقال إلى الخارج قفزةً منفصلة عن الداخل، وإنما كان امتدادًا منطقيًا لنموذجٍ اقتصادي–سياسي تشكّل على فكرة الوساطة، الوساطة بين الأسواق، وبين الممرات، وبين الفاعلين. وحين تُتقن دولةٌ الوساطة في الاقتصاد، تميل—تحت شروط معينة—إلى نقل هذه المهارة إلى السياسة، فتتحول من وسيطٍ تجاري إلى منسّقٍ لنفوذٍ إقليمي.
هذا التحول لا يُقرأ كـ"توسّع" بالمعنى الكلاسيكي، ولكن ينبغي أن يُقرأ كاستجابة لبنية عالمية دخلت طور السيولة. فمع تراجع مركزٍ واحدٍ قادر على فرض القواعد، تتكاثر المساحات الرمادية التي تسمح لفاعلين أصغر نسبيًا بأن يلعبوا أدوارًا أكبر من حجمهم التقليدي. وقد أشار جيوفاني أريغي إلى أن مراحل انتقال الهيمنة تُعيد توزيع الفرص بين الفاعلين، وتفتح المجال أمام صعود قوى تعيد تعريف مواقعها عبر أدوات غير تقليدية (Arrighi, 1994). في هذه اللحظة بالذات، لم تعد القوة تُختزل في الجيوش وحدها، بل في القدرة على تنظيم التدفقات، كتدفقات التجارة، والطاقة، والتمويل، وحتى الأمن.
من هنا، يصبح الخارج امتدادًا للداخل. فالدولة التي بنت اقتصادها على الموانئ والمناطق الحرة وسلاسل الإمداد، تجد نفسها—عند أول اضطراب—مضطرة إلى حماية هذه الشبكات خارج حدودها. إن الميناء يمثل هنا عقدة في شبكة عالمية، وليس بنية تحتية محلية فحسب، وأي تهديد لهذه الشبكة يتحول مباشرة إلى تهديد للنموذج الاقتصادي نفسه. وهكذا، تعود السياسة الخارجية ضرورة بنيوية لا خيارًا.
يتجلّى ذلك في فضاء البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع طرق التجارة والطاقة والأمن الغذائي. هنا، لا يُفهم الحضور الإماراتي بوصفه مجرد استثمار في موانئ أو بنية لوجستية، ولكن ينبغي فهمه كجزء من هندسة ممرات تُبقي التدفقات تحت السيطرة. فالموانئ ليست نقاط عبور محايدة، إنها أدوات لإعادة توزيع النفوذ، لأن من يتحكم في نقاط الاختناق يتحكم—جزئيًا—في إيقاع الاقتصاد الإقليمي. وقد أشار ديفيد هارفي إلى أن الرأسمالية، في سعيها لتثبيت التراكم، تميل إلى "تثبيت" رأس المال في المكان عبر بنى تحتية استراتيجية، ثم تحمي هذه البنى بوسائل سياسية وأمنية (Harvey, 2003). في هذا الإطار، تبدو الموانئ والطرق اللوجستية أقل براءة مما تبدو عليه.
غير أن تحويل الاقتصاد إلى جغرافيا نفوذ يتطلب أدوات سياسية وأمنية. وهنا يظهر البعد الأكثر تعقيدًا، الانتقال من اقتصاد التدفقات إلى سياسة الضبط. فحين تتعرض الممرات للتهديد—سواء بفعل صراعات محلية أو تنافس دولي—تدخل الدولة في معادلات أمنية متعددة المستويات، حيث تتداخل الشراكات، والوساطات، وأحيانًا أشكال من الانخراط غير المباشر في النزاعات. لا تكون الغاية دائمًا "الحسم" العسكري، بقدر ما تكون إدارة المخاطر بما يضمن استمرار الشبكات.
في هذا السياق، يصبح الفعل الإقليمي أقرب إلى ما يمكن تسميته بالقوة الشبكية، وهي القدرة على العمل عبر شركاء محليين، وعلى مزج الأدوات الاقتصادية بالأمنية، وعلى التحرك ضمن تحالفات مرنة تتغير بتغير الملفات. هذا النمط لا يهدف إلى السيطرة المباشرة على الأراضي بقدر ما يسعى إلى تثبيت نقاط الارتكاز، موانئ، مناطق حرة، عقود طويلة الأمد، وشراكات مع فاعلين محليين قادرين على تأمين البيئة.
هنا تتضح العلاقة بين الداخل والخارج بحدة أكبر. فالنموذج الداخلي—القائم على الاستقرار والانفتاح الاقتصادي—يحتاج إلى بيئة إقليمية لا تعرقل التدفقات. ومع تزايد الاضطرابات في محيط مضطرب أصلًا، يصبح "تصدير الاستقرار" أو "إدارة الفوضى" خارج الحدود جزءًا من استراتيجية البقاء. ليست الفكرة أن تُحلّ كل الأزمات، بقدر ما أن تُدار بما لا يقطع الشرايين التي يتنفس عبرها الاقتصاد.
لكن هذا الدور لا يتحرك في فراغ، إنه يتحرك داخل شبكة أوسع من التحالفات، خصوصًا مع القوى الغربية، حيث يتداخل الأمن الإقليمي مع ترتيبات عالمية. في هذا المستوى، لا تبدو الدولة تابعًا بسيطًا ولا قوة مستقلة تمامًا، إنها تبدو فاعلًا وسيطًا يعيد إنتاج توازنات قائمة، ويستفيد منها، ويحاول في الوقت نفسه توسيع هامش حركته. وقد أظهر تحليل أنطونيو غرامشي أن الهيمنة تُبنى عبر شبكات من العلاقات والمؤسسات التي تُنتج القبول، لا عبر القسر وحده (Gramsci, 1971). وفي الإقليم، تتجسد هذه الشبكات في ترتيبات أمنية واقتصادية تُعطي لبعض الفاعلين دورًا يتجاوز وزنهم التقليدي.
في المقابل، لا يخلو هذا الصعود من حدودٍ وتناقضات. فالتوسع الخارجي يعرّض الدولة لتشابكات معقدة، تتمظهر في صراعات محلية ذات تاريخ طويل، فاعلون غير دوليين، تنافس بين قوى كبرى، وتقلبات في أسعار الطاقة والتجارة. ومع كل نقطة ارتكاز تُبنى، تنشأ حاجة لحمايتها، ومع كل حماية، تتسع دائرة الالتزامات. وهنا يظهر التوتر البنيوي، كلما اتسعت الشبكة، زادت كلفة الحفاظ عليها.
إضافة إلى ذلك، فإن العمل عبر شبكات وتحالفات مرنة يمنح سرعة ومرونة، لكنه يقلل من القدرة على التحكم الكامل في النتائج. فالوساطة مع فاعلين محليين قد تُنتج استقرارًا مؤقتًا، لكنها قد تُعيد أيضًا إنتاج عدم اليقين. وهذا ما يجعل القوة الشبكية فعّالة في إدارة اللحظة، لكنها أقل قدرة على إنتاج حلول نهائية.
في النهاية، لا يمكن فهم التحول الإماراتي إلى فاعل إقليمي كقصة توسع تقليدية، وإنما يمكن فهمها كتحول في طريقة إنتاج القوة نفسها. إنها قوة تُبنى عبر الممرات وليس عبر الحدود، عبر العقود لا الاحتلال، وعبر الشبكات لا المركزيات الصلبة. وهي قوة تعكس، في جوهرها، طبيعة النظام العالمي الراهن، كنظام لا يُحكم من مركز واحد، وإنما عبر عقد متعددة، تتنافس وتتعاون في آنٍ واحد. وهنا تتضح أهمية هذه الحالة، ليست لأنها تقدّم نموذجًا مكتملًا، ولكن لأنها تكشف كيف يمكن لدولةٍ متوسطة الحجم أن تُعيد تعريف موقعها في زمن تتغير فيه قواعد اللعبة. لكنها تكشف أيضًا أن هذا الصعود ليس بلا ثمن، وأن كل خطوة إلى الخارج تُعيد طرح السؤال نفسه في الداخل، ما حدود القوة؟ وكيف تُدار حين تتشابك مع عالمٍ لم يعد يقبل الحسم؟
قائمة المراجع
Arrighi, G. (1994). The Long Twentieth Century: Money, Power and the Origins of Our Times. Verso.
Harvey, D. (2003). The New Imperialism. Oxford University Press.
Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks. International Publishers.
Hanieh, A. (2018). Money, Markets, and Monarchies: The Gulf Cooperation Council and the Political Economy of the Contemporary Middle East. Cambridge University Press.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لقاء الزيدي وترامب.. فصل جديد في العلاقات بين واشنطن وبغداد؟


.. نتنياهو يتوعد قادة إيران.. وترامب يهدد بنسف حصن نظنز النووي




.. وزير الخارجية الإسباني السابق ميغيل أنخيل يشيد بإرث الأمير ا


.. ترمب يعزي أمير دولة قطر في وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خ




.. الرئيس الأوكراني يشارك الرئيس ماكرون الاحتفال بالعيد الوطني