الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
دخول العاطفة المذهبية في التحليل السياسي
جعفر حيدر
2026 / 5 / 9مواضيع وابحاث سياسية
بقلم / جعفر حيدر
دخول العاطفة المذهبية في التحليل السياسي ليس مجرد انحراف بسيط في زاوية النظر، بل هو تحوّل عميق في طريقة فهم الواقع وإنتاج المواقف، حيث تتحول السياسة من مجال يقوم على المصالح والوقائع والقراءة العقلانية إلى ساحة مشحونة بالانتماء والهوية والانفعال، وهذا التحول لا يحدث فجأة بل يتراكم عبر التاريخ والسرديات والخطاب العام، وعندما يصل إلى ذروته يصبح الفرد أو المحلل غير قادر على الفصل بين ما يريده أن يكون صحيحًا وبين ما هو صحيح فعلاً، فيبدأ بتفسير الأحداث لا كما هي بل كما تخدم انتماءه، وهنا تكمن الخطورة لأن التحليل يفقد وظيفته الأساسية وهي الفهم، ويتحول إلى أداة تبرير أو هجوم. في المجتمعات المتعددة مذهبيًا، مثل العراق، تكون الأرضية مهيأة أكثر لهذا النوع من التداخل، لأن الهوية المذهبية ليست مجرد تفصيل ديني بل ترتبط بالتاريخ والذاكرة الجماعية والشعور بالظلم أو التفوق أو التهديد، وبالتالي عندما يدخل العامل السياسي، يتم استدعاء كل هذا المخزون العاطفي ليؤثر في الحكم على الأحداث، فمثلاً قد يُنظر إلى قرار سياسي معين على أنه خطوة إصلاحية أو فساد واضح، لكن التقييم يتغير بالكامل عندما يُربط بهوية الجهة التي اتخذته، فإذا كانت "من نفس المذهب" يتم تبريره أو تخفيف حدته، وإذا كانت "من المذهب الآخر" يتم تضخيمه واعتباره دليلًا على سوء النية أو التآمر، وهذا لا يحدث بوعي دائمًا بل غالبًا بشكل تلقائي نتيجة تراكمات نفسية وثقافية. هذه العاطفة المذهبية تُغذيها عدة عوامل، أولها الخطاب السياسي نفسه، حيث تلجأ بعض القوى إلى استخدام اللغة المذهبية كوسيلة تعبئة وحشد، لأنها أسرع تأثيرًا من الخطاب العقلاني، فبدل أن تُقنع الناس ببرامجها أو كفاءتها، تخاطب مخاوفهم وهوياتهم، فتخلق شعورًا بأن الصراع ليس على إدارة الدولة بل على "الوجود" أو "الهوية"، وعندما يصل النقاش إلى هذا المستوى يصبح أي تنازل خيانة وأي نقد تهديدًا، وثاني هذه العوامل هو الإعلام، الذي في كثير من الأحيان لا يعمل كوسيط محايد بل كطرف منحاز، فيعيد إنتاج الأحداث بطريقة تخدم سردية معينة، فيبرز أخطاء طرف ويخفي أخطاء طرف آخر، ويستخدم مفردات مشحونة عاطفيًا بدل لغة تحليلية، مما يعمّق الانقسام ويغذي التحيز، وثالثها التعليم والتنشئة الاجتماعية، حيث يتلقى الفرد منذ الصغر روايات أحادية عن التاريخ والواقع، تُقدّم جماعته كضحية أو كصاحبة حق مطلق، دون فتح المجال لرؤية متعددة، فينشأ وهو يحمل تصورًا جاهزًا يصعب تغييره لاحقًا. عندما تتغلغل العاطفة المذهبية في التحليل السياسي، تظهر عدة نتائج خطيرة، أولها تشويه الواقع، لأن الأحداث لا تُقرأ بمعايير واحدة بل بمعايير مزدوجة، وثانيها تعطيل النقد الذاتي، حيث يصبح من الصعب على أي جماعة الاعتراف بأخطائها لأنها ترى نفسها دائمًا في موقع الدفاع، وثالثها تكريس الانقسام المجتمعي، لأن كل طرف يعيش في "حقيقة" مختلفة عن الآخر، ورابعها إضعاف الدولة، لأن الولاء يتحول من الدولة إلى الجماعة، فتُتخذ القرارات بناءً على الانتماء لا على الكفاءة أو المصلحة العامة، وخامسها فتح الباب أمام التدخلات الخارجية، لأن القوى الإقليمية والدولية تجد في هذا الانقسام فرصة للتأثير عبر دعم هذا الطرف أو ذاك تحت غطاء الحماية أو التوازن. الأخطر من ذلك أن العاطفة المذهبية لا تكتفي بتشويه الحاضر بل تعيد كتابة الماضي أيضًا، حيث يتم انتقاء أحداث تاريخية معينة وتضخيمها وربطها بالواقع الحالي، وكأن الصراعات القديمة ما زالت مستمرة بنفس الشكل، وهذا يخلق حالة من "الزمن المتجمد" التي تمنع المجتمع من التقدم، لأنه يبقى أسير ذاكرة مشحونة لا تسمح ببناء رؤية مستقبلية مشتركة. ومع ذلك، لا يمكن القول إن التخلص من هذا العامل ممكن بشكل كامل، لأن الهوية جزء طبيعي من الإنسان، لكن المشكلة ليست في وجود الهوية بل في تحويلها إلى أداة تحليل وحكم، والحل لا يكون بإنكارها بل بضبطها وإعادة وضعها في سياقها الصحيح، أي أن يكون الانتماء أمرًا شخصيًا وثقافيًا لا معيارًا لتقييم السياسات والقرارات. تجاوز هذا الإشكال يتطلب عدة خطوات متداخلة، منها تعزيز التفكير النقدي الذي يدرّب الفرد على الفصل بين الشعور والحكم، وإصلاح الخطاب الإعلامي ليكون أكثر مهنية وتوازنًا، وبناء مؤسسات دولة قوية تُعامل المواطنين على أساس المواطنة لا الانتماء، إضافة إلى تشجيع الحوار بين المكونات المختلفة لكسر الصور النمطية، والأهم من ذلك وجود نخب فكرية وسياسية تملك الشجاعة لمواجهة جمهورها بالحقيقة حتى لو كانت غير مريحة، لأن الاستمرار في مجاملة العاطفة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التشظي. في النهاية، العاطفة المذهبية عندما تدخل التحليل السياسي تجعل من الصعب الوصول إلى فهم دقيق أو قرار رشيد، لأنها تُحوّل السياسة إلى ساحة صراع هوياتي مغلق، حيث لا مكان للحقائق بقدر ما هناك صراع على الروايات، وإذا لم يتم التعامل مع هذه الظاهرة بوعي وجدية، فإنها ستبقى أحد أهم العوائق أمام أي مشروع لبناء دولة مستقرة وعادلة، لأنها ببساطة تجعل كل طرف يرى نفسه على حق دائمًا، ويرى الآخر كخطر دائم، وفي ظل هذه المعادلة لا يمكن إنتاج سياسة متوازنة ولا مجتمع متماسك.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. إيران تهاجم دولا خليجية وتعلن إغلاق مضيق هرمز
.. صفقة كبرى بين ترامب وإيران؟.. هرمز مقابل النووي!
.. الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وتأسيس العلاقات مع العراق والمحيط
.. ما البرتوكول القطري في مراسم تشيعي الشيخ حمد بن خليفة آل ثان
.. رئيس الوزراء اللبناني الأسبق: الأمير الوالد دعم لبنان ماديا