الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كَخَطَرَاتِ آلْأَحْلَامِ لَاحَتْ رُؤَاهُ

عبد الله خطوري

2026 / 5 / 9
الادب والفن


قصدتُ جدولا صغيرا أتفيأ صمتَه الهادئ تخطر في فتور مويهاتُه الكسلانة بين ثنايا صخور لا مبالية.لم أبرح أفياءه، استسلمت لدَعته وسكينته النعسانة، ظللت وحدي غير معني بما يفعل الفاعلون هناك في محفلهم الصاخب. كانوا يُحَيْدِسونَ بلجب يرقصون .. لم أهتم .. كُنَّ يزغردن ضاحكات .. لم أبالِ .. فويق صخرة عملاقة صعدتُ .. للحظات وقفت، لكن دوخة نافذة آعترتني وأنا أنظر إلى الأسفل حيث المياه والخشاش والحصا والتراب والأطيان اللازبة وحيوات دقيقة لا تُرى تُناغي غلسَ الظلام .. رفعت يديّ .. أفردتهما .. بصمت تنفست .. جلست مستخفيا أتابع ما يحدث أمامي ... ( بابْ نْ تَكْبيرْتْ لا هي أهدون لا هي تاجلابت ) ذو العباءة التي لا تشبه سلهاما ولا هي كجلابة المجلببين هنا في الأعالي، ذاك الطيف الشفيف الذي رأيته أمسِ فيما يرى الصاحي يأكل النملُ ذبيحتَه قبل أن يحل الخراب بالأنحاء، لمحتُ هالتَه تظهر من جديد من قريب أو بعيد تُلَوِّحُ لي عيناه ببريق كشعاع آنفلاق الإصباح، على حين غرة آخترقني كيانه آجتاحني .. آه .. رأيت صداه .. لم تكن ضفيرتُه ( طاگَطَّاشْتْ نَّسْ ) تشبه ضفائر آل البلدات .. كان مديدا كان ساهما ونحيفا يخطر خيلاؤه بتثاقل وعزيمة وجأش لا يتنفس لا تطفر مقلتاه .. آسيـ .. كما كان يناديني أبي مرارا قبيل أفجر الصلاة .. راح يصدح بهمهمات الحداء ..سلاااااام .. يا آبنا من عقبي يا مَنْ لا يعرفني يا سلالة ستأتي بعد غدِ .. سلاااام .. آهيا شكْ .. يا أنتَ يا أيها آلكيان .. يا أيها آلغبش .. آكيدَشْ آيَسَّوَلَغْ غَراشْ آتُّوتْ مايَنْ نَنَّا .. قَنْ طيطَّاوْ سْغَدْ مزيانْ وُولَنَّشْ دكُّولينو آمْ لَخَرْتْ دُونَشْتينُو ... رُمْتُ الفرار، لكني لم أفعل لم أنبس .. يااا لطيف ياااا لطيف .. وقفتُ .. دون تخمين أو تفكير خطوتُ خطوة أولى أمامي ثم حينما هممت بالنزول من الصخرة طفقتُ وأنا في كامل إدراكي ووعي بما أفعل ويحيط بي .. نعم .. عوض أن أنزل إلى أسفل وألجأ مسرعا إلى رحبة الصداع، جعلَتْ رجلاي تمشيان في الهواء .. ارتعدتُ .. تزلزلتُ .. انتابني رعب تلَبَّسني فزع رهيب وأنا أنظر طيفه الشاهق يتقدم ثباتُهُ نحوي بلا ظل أو ظلال تقفو خطوه أو تسبقه أو تعن للعيان .. كَخَطَرَاتِ آلْأَحْلَامِ لَاحَتْ رُؤَاهُ ... لا تتوجس لا تخف إيلْ تكُّودْ .. قال صوته دون تهتز شفتاه .. كان يتكلم بطريقة لا تشبه الكلام .. هكذا تخرج الكلمات من مكان ما في بدنه الشفيف من حوله من خلاله ما عدتُ أدري ما عدت أميز غير وقفته السمهرية المتحركة قدما آتجاهي تعانق كفي يداه ... ثم ... حَدَّثَني وهو يجول بي المساحات العاليات اليانعات .. هنا كان أبي .. قال .. هنا حل رحلنا لما قدمنا مِن ومن .. هنا مكثنا أقمنا خيامنا في أرض وجدناها خلاء عمّرها عُمرانُنا ولدنا السلالات تباعا في أدرار بويبلان تانكرارامت وآنطلقنا نخبُّ الشعاب في رحلات الصعود والإياب .. تلك أراضيكم تركناها لكم لا تهملوها فيها أكلنا المَسغبة شربنا العطش خُضناه ضنكا في الحياة كي يصفو لكم سَلَسُ المَعيش ... وقال وقال وقال ... هنا ستموت الأعمار هنا ستحيَا الآجال كما كنا كونوا لا تنثروا الغياب في أكباد الوهاد .. تلك أزمنتكَ أزمنتكم يا فتى آتية اُرْنُ إليها حُبلى بآختلاف مشاربكم سِيحوا لا تبرحوا ... ورأيتُني فيما رأيتُني أرتع وآلصبايا في مراتع شاسعات .. توغلت أكثر في نُجيمات لامعات تتخلل أفنان بلوط المقابر تغطس في الرموس ثم تعن من جدلانة من جديد .. نيتْينِي وللَّغَاسْ نيتْني هُمْ إنهم هُمْ واللهِ هُمْ .. سمعتُ الراعي عبدالسلام يهتف بي .. ولم أفكر في الهروب كما كان دأبي في مرات سابقات .. ظللت ومُرافقي مُخَدَّرا تفعل بي اللحظات ما تشاء .. استسلمت لمنظر الأنوار يتلألأ سطوعها غير آبهات بنا وبما عسانا نفعل أو لا نفعل .. لقد كنت هنا .. نبست في سري .. هو ذاك أنا والراعي الأرعن يصخب في قلق عبارة لطالما سمعتُها .. ( رَامِينَتْ نِيجْرِيتْ ) أرددها وإياه .. رأيتُنا نتصايح نصدرها صرخات آستغاثة في فراغ لا يسمع لا يجيب .. والقمر الأحمر الأصفر الأبيض الأزرق دنَا أوشكتْ تلمسَ الهامات هالتُه العملاقة المنورة ... وفي لحظة مبتسرة فك قبضتَه من معصمي، فخلتُني أسقط من مكاني، لكني لم أقع ظللتُ مستويا في سمائي أرنو إليه بَرْقا خلبا خاطفا يتسلل شعاعه ينسرب بين الوريقات بين النجيمات يعلو يشهق ينحدر يزفر ثم راح يُرَجِّعُ .. سـلااام .. بيني وبينكم أزمان من جبال يانعات وقفار من بحور وثغور لا تزول .. إياكم والمكان .. راح يوجه إلينا الكلام قبل تتلاشى صوري لأراني كَـرَّةً أخرى في مشهد آخر طيفا من خيال هاله الهرَمُ .. ذاك أنتَ بعد أن يغرب الشروق ترتج أرضك تتزلزل فرائصك والأطراف .. ابقَ كما أنتَ لا تنتكس لا تنسَ مصيرك أوْبَتَك هنا تَذَكَّرْ موعدَك الصعود آيتُكَ لا تكلم إنسيا حتى يحين أوان الأوان وقبل ذاك وذا خذ الكتاب بقوة عض عليه بالنواجد والأظافر ومسام الحنايا قبل تُهْرَقَ الحياة على قارعة الحياة ... مسكينا رأيتُني فويق أريكة أو ما شابه لا أحرك أنملة لا تتمتم حرفا شفتاي .. شاردا أرنو إلى مآلي دون أن أستطيع سؤاله هل كيف ماذا ولِمَاذا .. هو ذاك أنا .. تلك كينونتي القادمة .. ما بها ساهمة في ما لا يُدركُ أو يُـرَى ...

_ عليكَـ أنْ تخْطُوَ خَطْوَكَـ يا فَتَـى

قيل لي ...

_ لا تَخَفْـ

_ ........ صمت .........

_ واجهْ حَيْنكَـ لا تتوجس

_ ...... صمت ...........

_ قِفْـ وقفتكَـ المنتظرة أفردْ جناحكَـ لا نكوص بعد اليوم

_ ....... صمت ..........

_ لا تترددْ

_ ما العمل ؟

قالت حيرتي ولم يجب أحد ... ثم كما ظهر كل شيء فجأة غاب في لحظة واحدة في آلتماعة عين ألفيتُني وحيدا أثرثرُ جنب جدول صغير ( أغزر أمزيان ) أبلل رأسي تغسل وجهي وأطرافي مويهاتٌ باردات تُذهب آثار التعب عن روحي عن بدني .. تنفست أكثر من مرة بعمق .. أحسست مصاريني تهبط إلى تحتِ تحتٍ تقرقر كعادتها بصخب لاجب .. أسرعتُ أستنجد بخلوة خلف إحدى الصخور .. هرقت من أحشائي ما أسعفني هرقه بعشوائية لزجة طيارة لوثت قدميّ داخل صندلتهما .. تأففت تبرمت بصقت حموضتي أمامي بين رجليّ، وآنهمكت أعيد ما يشبه الوضوء لعلي ... لكن ما إنْ آطمأنتُ قليلا لآستعادة سَوِّيتي المتعثرة حتى عاودت البطن عبثها المزمن، فهرعت من جديد إلى لجة أخرى وأخرى أعيد الطقوس مرات مرات .. حتى .. صاح مَنْ صاح بعيدا أو قريبا .. الله أكبر .. ينادي بها من خلف طقوس الأعراس الغارقة في الصداع وإعادة الصداع ...

☆إضاءات وترجمات :
_ يحيدسون : من ( آحَيْدوس ) رقصة أمازيغية في الأطلس المتوسط
_ طاكطاشت : ضفيرة الشعر
_ آكيدَشْ آيَسَّوَلَغْ غَراشْ آتُّوتْ مايَنْ نَنَّا .. قَنْ طيطَّاوْ سْغَدْ مزيانْ وُولَنَّشْ دكُّولينو آمْ لَخَرْتْ دُونَشْتينُو : إني أتكلم معك إياك تنسى ما قلناه .. اغلق عينيك اصغ جيدا لما يقال .. شغافك في حناياي وكالآخرة دنايَ ...
_ بويبلان : جبل ببداية شمال الأطلس المتوسط يفوق ارتفاعه ٣٠٠٠ متر
_ أدرار تانكرارامت : قرى بجبل بويبلان
_ أغزر أمزيان : نهير صغير








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا


.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع




.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات