الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
عندما تتحرك الصفائح الجيوسياسية: هل تستعد روسيا لعالم ما بعد «الهيمنة الأمريكية» أم لعاصفة كبرى جديدة؟
زياد الزبيدي
2026 / 5 / 9مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
10 أيار مايو 2026
في لحظات معينة من التاريخ، لا تبدأ التحولات الكبرى بإنفجار مدوٍّ أو حرب شاملة، بل بإشارات صغيرة تبدو للوهلة الأولى تقنية أو هامشية. قرار إقتصادي هنا، إعادة تموضع عسكري هناك، أو حتى تغيّر في لهجة الخطاب السياسي. لكن خلف هذه التفاصيل، قد تكون «الصفائح الجيوسياسية» قد بدأت بالفعل في التحرك.
هذا بالضبط ما يحاول الصحفي والمحلل الروسي ميخائيل روستوفسكي إلتقاطه في مقاله المنشور بتاريخ 3 مايو 2026 في صحيفة Moskovskij Komsomolets (MK.ru) تحت عنوان: «العالم حول روسيا يتغير بصورة مخيفة: الصفائح الجيوسياسية بدأت تتحرك».
المقال لا يتحدث عن حرب وشيكة بقدر ما يرسم صورة لعالم يدخل مرحلة «إعادة تشكل إستراتيجية» قد تكون الأخطر منذ نهاية الحرب الباردة.
الصين لم تعد تؤمن بإستقرار العالم
النقطة المركزية في تحليل روستوفسكي تتمثل في التحول العميق داخل التفكير الإستراتيجي الصيني. الكاتب يستند إلى دراسة أثارت نقاشًا واسعًا في الأوساط الروسية، أعدها الخبير الروسي في الشؤون الصينية فاسيلي كاشين مع زملائه في المدرسة العليا للإقتصاد في موسكو.
الإقتباس الذي ينقله المقال يكاد يكون صادمًا في دلالته: «القيادة الصينية تستعد ـ على الأقل ـ لأزمة عسكرية وسياسية شديدة الخطورة، تترافق مع إنهيار الروابط الإقتصادية الطبيعية والإقتراب من حافة الحرب».
ويضيف النص أن بكين لا تتعامل مع إحتمال الصدام مع الولايات المتحدة بوصفه سيناريو إفتراضيًا بعيدًا، بل بإعتباره إحتمالًا «مرجحًا وربما حتميًا» مع نهاية العقد الحالي أو بداية ثلاثينيات القرن الحادي والعشرين.
هنا تبرز فكرة شديدة الأهمية:
الصين، التي قدمت نفسها لسنوات بإعتبارها قوة «تنموية» تفضّل التجارة على الصدام، تبدو اليوم وكأنها تعيد بناء تصورها للعالم على أساس أكثر تشاؤمًا وخشونة. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالحرب التجارية أو المنافسة التكنولوجية، بل بإمكانية حدوث مواجهة إستراتيجية شاملة تشمل: حصارًا بحريًا، عقوبات قصوى، تعطيل سلاسل الإمداد، بل وحتى ضربات صاروخية متبادلة.
من «العولمة السعيدة» إلى عقلية الإستعداد للحرب
اللافت في المقال أن روستوفسكي يسلط الضوء على التناقض بين الخطاب الصيني الرسمي وسلوك الدولة الحقيقي.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه بكين عن «مجتمع المصير المشترك للبشرية» و«العولمة العادلة»، تشير السياسات العملية ـ بحسب الدراسة الروسية ـ إلى أن القيادة الصينية تتصرف كدولة تستعد لأسوأ الإحتمالات.
هذه الملاحظة تتجاوز الصين نفسها؛ إذ تعكس تحوّلًا عالميًا أوسع: إنهيار الإيمان بالنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب الباردة.
لقد قامت العولمة خلال العقود الماضية على فرضية أساسية: أن الترابط الإقتصادي يمنع الحروب الكبرى. لكن ما يحدث اليوم يوحي بأن القوى الكبرى لم تعد تثق بهذه الفرضية. بل إن الإقتصاد نفسه أصبح جزءًا من ساحة الصراع.
ومن هنا تأتي أهمية الإشارة التي يوردها المقال بشأن العقوبات الأمريكية على شركات صينية تتعامل مع إيران، ثم الرد الصيني الرافض للإمتثال الكامل لهذه العقوبات. بالنسبة لروستوفسكي، هذه ليست مجرد أزمة تجارية، بل «إشارة مبكرة» إلى إستعداد بكين لمواجهة الضغوط الأمريكية بشكل أكثر مباشرة.
واشنطن تعيد ترتيب أولوياتها العسكرية
الشق الثاني من التحليل يرتبط بالولايات المتحدة.
فالمقال يربط بين التصعيد الأمريكي تجاه الصين وبين الحديث المتزايد داخل واشنطن عن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا وإعادة نشر القوات في منطقة آسيا ـ المحيط الهادئ.
هذه النقطة تحمل دلالات إستراتيجية عميقة.
فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت أوروبا تمثل المركز الأساسي للإنتشار العسكري الأمريكي. أما اليوم، فإن الأولوية الإستراتيجية الأمريكية تبدو وكأنها تتحول تدريجيًا من «إحتواء روسيا» إلى «إحتواء الصين».
وفي هذا السياق، تبدو الحرب في أوكرانيا ـ وفق هذا المنطق الروسي ـ وكأنها ليست سوى جزء من مرحلة إنتقالية أكبر، حيث تحاول واشنطن إدارة صراعين في آن واحد: صراع إستنزاف مع موسكو، وتحضير طويل الأمد لمواجهة مع بكين.
القلق الروسي: كيف لا تتحول موسكو إلى «ملحق صيني»؟
أهم ما في المقال ربما لا يتعلق بالصين أو أمريكا، بل بروسيا نفسها.
روستوفسكي يطرح سؤالًا حساسًا داخل النخبة الروسية:
ماذا لو دخلت الصين فعلًا في مواجهة حادة مع الولايات المتحدة؟ أين ستقف موسكو؟ وهل تمتلك أصلًا هامش مناورة مستقلًا؟
الكاتب يعبّر عن هذا القلق بوضوح حين يقول إن روسيا يجب ألا تجد نفسها «مربوطة» بالصين بصورة تجعلها تفقد حريتها الإستراتيجية.
هذه الفكرة تعكس نقاشًا روسيًا متناميًا منذ سنوات، يتمحور حول معضلة معقدة: روسيا تحتاج إلى الصين إقتصاديًا وسياسيًا في مواجهة الغرب،
لكنها تخشى في الوقت نفسه من التحول إلى «شريك أصغر» داخل محور تقوده بكين.
ومع تصاعد التوتر الأمريكي ـ الصيني، يصبح هذا التوازن أكثر هشاشة.
هل يدخل العالم مرحلة «الحرب الباردة الثانية»؟
رغم أن المقال يتجنب إستخدام هذا المصطلح بشكل مباشر، إلا أن بنيته الفكرية تقوم فعليًا على فكرة أن العالم يتجه نحو نظام إستقطاب جديد.
لكن الفارق عن الحرب الباردة القديمة يتمثل في أن التشابك الإقتصادي اليوم أعمق بكثير، وأن خطوط المواجهة ليست عسكرية فقط، بل تشمل: التكنولوجيا، الذكاء الإصطناعي، الطاقة، الممرات البحرية، العملات، وحتى سلاسل الغذاء والرقائق الإلكترونية.
ولهذا يبدو التحول الحالي أكثر تعقيدًا من مجرد مواجهة أيديولوجية بين معسكرين.
بين الواقعية الروسية والتشاؤم الإستراتيجي
في خاتمة مقاله، يعترف روستوفسكي بأن حديثه قد يبدو «منفصلًا عن الواقع» في ظل إنشغال روسيا بالحرب الأوكرانية والصدام المباشر مع الغرب. لكنه يصر على أن تجاهل المستقبل هو الخطأ الذي قاد موسكو أصلًا إلى أزماتها الحالية.
وهنا تبرز الرسالة الأعمق للمقال: التحولات الكبرى لا تنتظر إنتهاء الأزمات القائمة.
فبينما ينشغل العالم اليوم بالحروب الحالية، قد تكون البنية الكاملة للنظام الدولي بصدد إعادة تشكل جذرية في الخلفية. والصين ـ بحسب القراءة الروسية ـ لا تتحرك بوصفها دولة تسعى فقط إلى التنمية، بل كقوة عظمى تستعد لإحتمال إنهيار النظام العالمي الذي إستفادت منه لعقود.
أما روسيا، فهي تحاول أن تجد لنفسها مكانًا في عالم يتغير بسرعة، دون أن تصبح تابعة للغرب أو ذيلًا للصين.
وفي هذا التوازن الصعب تحديدًا، ربما تكمن إحدى أخطر معارك القرن الحادي والعشرين:
ليس فقط من سيقود العالم، بل أي نوع من العالم سيولد أصلًا من رحم هذا الصدام الجيوسياسي المتصاعد.
*****
ميخائيل روستوفسكي
صحفي ومعلق سياسي روسي بارز، يكتب منذ سنوات في صحيفة Moskovskij Komsomolets (MK.ru) المعروفة بقربها من دوائر النقاش السياسي في موسكو.
يشتهر بمقالاته التحليلية التي تمزج بين القراءة الجيوسياسية واللغة السردية، مع تركيز خاص على السياسة الروسية والعلاقات الدولية والتحولات داخل النخبة الحاكمة في روسيا.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الحر الشديد.. كيف يؤثر على نومنا؟ • فرانس 24 / FRANCE 24
.. جهاز قطر للاستثمار يجسد رؤية الأمير الوالد لتنويع مصادر الدخ
.. تصاعد أعمدة الدخان من موقع تعرض لغارات في محافظة بوشهر جنوبي
.. كيف غيرت رؤية الأمير الوالد الاستشرافية خريطة الإعلام العربي
.. التصعيد الأمريكي الإيراني يعيد رسم معادلات الأمن في الخليج