الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الحرب على إيران أم الحرب على مستقبل العالم؟
زياد الزبيدي
2026 / 5 / 11مواضيع وابحاث سياسية
كيف يقرأ ميخائيل ديلياغين الصراع بين الرأسمالية الرقمية والإمبراطورية المالية؟
لم تعد الحرب على إيران — في نظر بعض العقول الروسية — مجرد مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، بل تحولت إلى معركة قد تحدد أي نوع من العالم سيخرج من أنقاض النظام الدولي الحالي:
عالم تقوده المنصات الرقمية والتكنولوجيا الصناعية، أم عالم تعود فيه المضاربات المالية والفوضى الجيوسياسية إلى واجهة التاريخ؟
هذا تحديدًا ما يحاول الإقتصادي والمفكر الروسي ميخائيل ديلياغين تفكيكه في مقاله المثير للجدل المنشور على موقع سفوبودنايا بريسا تحت عنوان: «ما هي بالضبط الأهمية العالمية للحرب الإيرانية؟».
فبالنسبة إليه، لا تمثل الصواريخ التي سقطت على طهران مجرد تصعيد إقليمي، بل واجهة لصراع أعمق بكثير: حرب داخل الرأسمالية نفسها، بين تحالف التكنولوجيا والإنتاج من جهة، والنخب المالية المضاربة من جهة أخرى.
حين بدأت الرأسمالية حربًا أهلية على نفسها
يرتكز تحليل ديلياغين على فكرة مركزية مفادها أن التكنولوجيا — لا السياسة — هي التي تحدد شكل الحضارات.
فالسياسة تدير الصراعات اليومية، والإقتصاد ينظم توزيع الموارد، لكن التكنولوجيا هي التي ترسم حدود العالم الممكن.
ومن هنا يرى أن البشرية تنتقل تدريجيًا من “عصر البورصات” إلى “عصر المنصات”، حيث تصبح شبكات التواصل والمنظومات الرقمية أدوات إدارة مباشرة للمجتمعات، لا مجرد وسائل إتصال.
ويصف الكاتب هذا التحول بأنه إنتقال من هيمنة الرأسمال المالي التقليدي إلى تحالف جديد يجمع: الشركات الرقمية، القدرات الصناعية، والبنى التكنولوجية العملاقة.
ويكتب بوضوح: «المضاربون الماليون يربحون من الفوضى، أما الرقميون والمنتجون فيربحون من الإستقرار.»
بهذا المعنى، تصبح الحرب على إيران — في نظره — جزءًا من محاولة النخب المالية القديمة منع إنتقال مركز السلطة إلى العالم الرقمي-الإنتاجي الجديد.
من الأسواق إلى “الإقطاعية الرقمية”
لكن ديلياغين لا يتعامل مع صعود التكنولوجيا بوصفها تطورًا إيجابيًا بالكامل.
فهو يحذر من نموذج يسميه “الإقطاعية الرقمية”، حيث يتحول أغلب البشر إلى مجرد منتجين لبيانات تُستخدم في تدريب أنظمة الذكاء الإصطناعي.
وفي هذا العالم الجديد، تصبح المنصات الرقمية أكثر أهمية من البنوك، وتتحول البيانات إلى مصدر السلطة الحقيقي.
ويشير إلى أن جائحة كورونا كشفت — من وجهة نظره — أن التحكم بالبشر لم يعد يحتاج دائمًا إلى الأدوات المالية التقليدية، بل يمكن تحقيقه عبر السيطرة التقنية على الحركة والعمل والتواصل والسلوك الإجتماعي.
لكن المفارقة أن الكاتب لا يرفض التكنولوجيا نفسها، بل يرفض إختزال الإنسان في منطق الربح فقط.
فهو يعتقد أن المجتمعات قد تتجاوز هذا المأزق إذا تحول “التطور الذاتي والإبداع” إلى هدف حضاري بديل عن الإستهلاك والمضاربة المالية.
الحلم السوفياتي الذي عاد متأخرًا
وفي خلفية هذا التصور، يستحضر ديلياغين تجربة الإتحاد السوفياتي بإعتبارها محاولة مبكرة — لكنها فاشلة — لبناء نموذج حضاري مختلف عن الرأسمالية الغربية.
ويشير إلى أن الإتحاد السوفياتي حاول الإنتقال إلى شكل جديد من التنظيم الإجتماعي والإقتصادي قبل أن تنضج الشروط التكنولوجية اللازمة لذلك، ولهذا إنهارت التجربة.
أما اليوم، فهو يرى أن التطور الرقمي والذكاء الإصطناعي يعيدان طرح السؤال نفسه بصورة جديدة وأكثر خطورة:
كيف يمكن الحفاظ على المجتمع عندما تصبح أغلبية البشر غير ضرورية إقتصاديًا؟
“إعادة هيكلة الإقتصاد العالمي” وصدام الهوية
في أكثر أجزاء المقال أيديولوجية، يربط ديلياغين بين النخب المالية الغربية وبين مشاريع إعادة تشكيل المجتمعات الغربية ثقافيًا وإقتصاديًا.
ويستحضر هنا أفكار كلاوس شواب حول “النظام العالمي الجديد”، معتبرًا أن التحولات المرتبطة بالمناخ والطاقة والهجرة والتغيرات الثقافية ليست مجرد سياسات منفصلة، بل جزء من عملية إعادة هندسة شاملة للنظام العالمي.
وبغض النظر عن الطابع الجدلي أو التآمري لهذه الرؤية، فإنها تعكس بوضوح تصاعد خطاب محافظ داخل قطاعات من النخبة الروسية يعتبر أن الغرب يعيش عملية “تفكيك حضاري” تهدد: الأسرة، الهوية الوطنية، الصناعة التقليدية، والدولة القومية.
بريطانيا… اللاعب الخفي في الفوضى العالمية
في واحد من أكثر محاور المقال إثارة، يمنح ديلياغين بريطانيا دورًا محوريًا في إدارة الفوضى الدولية.
فهو يرى أن قوة لندن لا تقوم أساسًا على الإقتصاد أو الجيش، بل على “التقنيات الإجتماعية” وقدرتها التاريخية على إدارة الإنقسامات والتحالفات والهويات.
ومن هذه الزاوية يفسر: الحرب الأوكرانية، إعادة تسليح أوروبا، صعود الإسلام السياسي، وحتى مشاريع “التوران العظيم” المرتبطة بالنفوذ التركي في آسيا الوسطى.
ويعتقد أن الهدف النهائي يتمثل في إعادة تشكيل أوروبا كفضاء تابع وضعيف، يعتمد أمنيًا وإقتصاديًا على التحالف الأنغلوساكسوني.
أوروبا بين إعادة التسلح والإنتحار الإستراتيجي
يقدم الكاتب صورة قاتمة لمستقبل أوروبا، معتبرًا أن القارة تُدفع نحو إعادة تسلح ضخمة قد تقود إلى صدام مباشر مع روسيا بحلول نهاية العقد الحالي.
لكن الأخطر — بحسب رؤيته — أن أوروبا لا تتحرك كقوة مستقلة، بل كساحة صراع بين القوى الكبرى.
وفي أكثر مقاطع المقال حدة، يتحدث ديلياغين عن إحتمال تحول القارة مستقبلاً إلى ما يشبه “إتحادًا من الأورو-خلافيات”، في إشارة إلى مزيج من التفكك الثقافي والتبعية السياسية والإضطراب الديموغرافي.
ورغم الطابع المبالغ فيه لهذا التصور، فإنه يعكس حجم القلق الروسي المتصاعد من التحولات الإجتماعية والسياسية التي تشهدها أوروبا منذ سنوات.
لماذا أصبحت إيران مركز الصراع؟
في قراءة ديلياغين، كانت إيران أصلًا تعاني إحتقانًا داخليًا عميقًا: أزمة اقتصادية، إنسداد سياسي، وتراجع في آفاق الطبقة المتعلمة.
ويصف البلاد بأنها “قدر يغلي”، خصوصًا بعد وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي.
لكن الحرب — بحسب تحليله — أعادت توحيد المجتمع الإيراني عبر تحويل المعارضين إلى وطنيين، وإفساح المجال أمام جيل جديد أكثر تشددًا وأقل إستعدادًا للتفاوض مع الغرب.
وفي المقابل، يرى الكاتب أن إسرائيل تحتاج دائمًا إلى “عدو خارجي موحد” بسبب انقساماتها الداخلية العميقة، وأن إيران تمثل الخصم المثالي لهذا الدور.
ومن هنا يعتبر أن أي تقارب أمريكي-إيراني كان سيشكل تهديدًا إستراتيجيًا خطيرًا لإسرائيل، وهو ما ساهم — وفق روايته — في دفع المنطقة نحو الإنفجار.
كيف تحولت حرب إيران إلى فخ سياسي لترامب؟
يخصص ديلياغين مساحة واسعة لتحليل وضع ترامب، معتبرًا أن الحرب قد تتحول إلى “إنتحار سياسي” له.
فالولايات المتحدة تريد: إحتواء الصين، إضعاف أوروبا، والسيطرة على طرق الطاقة العالمية.
لكن إرتفاع أسعار النفط الناتج عن الحرب يهدد الداخل الأمريكي نفسه، لأن إرتفاع أسعار الوقود يمثل خطرًا إنتخابيًا مباشرًا.
كما يحذر الكاتب من أن أي إستهداف واسع للبنية التحتية النفطية في الخليج قد يقود إلى أزمة طاقة عالمية تضرب سلاسل الإنتاج والتجارة الدولية، خصوصًا في آسيا.
ويذهب أبعد من ذلك حين يطرح احتمال أن يدفع التصعيد الحالي بعض القوى الإقليمية إلى التفكير في مظلات ردع نووية جديدة، ما قد يفتح الباب أمام سباق تسلح غير مسبوق في الشرق الأوسط.
إيران كمرآة لصراع القرن الحادي والعشرين
في نهاية المطاف، لا تبدو أهمية مقال ديلياغين في دقة كل إستنتاجاته بقدر ما تكمن في كشفه لطريقة تفكير شريحة متزايدة داخل النخبة الروسية.
فالعالم — في هذه الرؤية — لم يعد يتكون من أزمات منفصلة، بل من معركة واحدة مترابطة تشمل: التكنولوجيا، الطاقة، الهوية، الإقتصاد، والحرب.
وفي هذه المعركة، تتحول إيران من دولة إقليمية إلى عقدة مركزية في صراع عالمي على شكل الحضارة المقبلة.
سواء بدت أطروحات ديلياغين عميقة أو مبالغًا فيها، فإن أهميتها الحقيقية تكمن في أنها تكشف كيف بدأت قطاعات من النخبة الروسية ترى العالم:
ليس كسلسلة نزاعات متفرقة، بل كمعركة هائلة على السلطة والتكنولوجيا والطاقة والهوية… وعلى تعريف الإنسان نفسه في القرن الحادي والعشرين.
*****
المصادر
ميخائيل ديلياغين: "ما هي الأهمية العالمية للحرب الإيرانية تحديداً؟"
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سرقة القرن.. العراق يستعيد 365 مليار دينار في قضية نور زهير
.. مشهد تستضيف محادثات إيرانية قطرية.. وطهران تكشف مضمونها
.. عضو في البرلمان الأوروبي: أريد أن أقول لابني إننا لم ندر ظهو
.. ترمب يهدد إيران برد عسكري غير مسبوق إذا تعرض لمحاولة اغتيال
.. إيران: انفجارات في شرق طهران ناتجة عن تفجير ذخائر