الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
محاولة إنكار الامتداد الحضاري واللغوي للكورد
مروان فلو
2026 / 5 / 11القضية الكردية
تُعدّ قضية تطور اللغة الكوردية وامتدادها التاريخي من القضايا التي أثارت جدلاً بين الباحثين، خصوصاً بعد ادعاء الدكتور فاروق إسماعيل أن الكتابة الكوردية لم تظهر إلا في القرن السادس عشر الميلادي. هذا الرأي لا ينسجم مع المعطيات التاريخية واللغوية والأثرية التي تؤكد وجود تراث كتابي ولغوي مرتبط بأسلاف الكورد منذ عصور أقدم بكثير.
إن المشكلة المنهجية الأساسية لدى بعض الباحثين تكمن في أنهم يتعاملون مع التاريخ الكوردي بمعايير مختلفة عن تلك التي يعتمدونها مع بقية الشعوب. فهؤلاء يقبلون مثلاً اعتبار الآرامية القديمة أساساً للغات السريانية والآشورية الحديثة، ويقبلون أن الخط النبطي كان مرحلة تطور نحو الخط العربي، لكنهم يرفضون تطبيق المبدأ نفسه على اللغة الكوردية وتطور كتابتها عبر المراحل التاريخية المختلفة.
الكورد وتعدد الأسماء عبر التاريخ
من الضروري الإشارة إلى أن أسلاف الكورد لم يستخدموا دائماً اسم “الكورد” بصيغته الحالية، بل أُطلقت عليهم تسميات متعددة ارتبطت بأسماء القبائل الحاكمة أو الاتحادات العشائرية أو الدول التي حكمت مناطق زاكروس وميزوبوتاميا العليا. ومن هذه التسميات: الكوتيون، اللولوبيون، الهوريون، الميتانيون، الكاشيون، الميديون وغيرهم. إلا أن تغير الأسماء السياسية لا يعني تغيّر الشعب نفسه، إذ إن الدراسات المقارنة في اللغة والعادات الاجتماعية والبنية الدينية والتراث الفلكلوري تشير إلى وجود استمرارية حضارية وثقافية واضحة بين تلك الشعوب والكورد الحاليين (1).
وقد أثبت عدد من الباحثين الكورد والأجانب وجود روابط لغوية وثقافية بين اللغة الكوردية الحالية واللغات الإيرانية الشمالية الغربية القديمة، إضافة إلى تأثيرات هورية وميدية وساسانية تراكمت عبر آلاف السنين (2).
الكتابة لدى أسلاف الكورد قبل الميلاد
تُظهر وثائق هورمان المكتشفة في منطقة هورامان أن سكان المنطقة استخدموا الكتابة الپهلوية منذ القرن الأول قبل الميلاد والقرون الميلادية الأولى. وقد نُشرت هذه الوثائق في الدراسات البريطانية الأثرية مطلع القرن العشرين، وهي تُعد من أقدم النصوص المرتبطة جغرافياً ولغوياً بالمناطق الكوردية الحالية (3).
كما أن اللغة الپهلوية نفسها تمثل مرحلة مهمة من تطور اللغات الإيرانية الغربية، والتي ترتبط بها اللغة الكوردية الحديثة بعلاقات لغوية واضحة من حيث المفردات والبنية النحوية والصوتية. ويستطيع المتحدث بالكوردية، خاصة اللهجات الهورامية والكرمانجية، ملاحظة التشابه الكبير مع العديد من النصوص الپهلوية القديمة (4).
ومن الأمثلة على ذلك النص الپهلوِي:
بد شاپوهر شاهانشاه براد بودە ميشۆن خوەدای ئەد مهرشاه نام ئەهاد
وترجمته:
“كذلك أصبح أخو ملك الملوك شاپور حاكماً على ميشان واسمه مهرشاه”.
كتاب ابن وحشية والحروف الكوردية القديمة
يُعد كتاب شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام من المصادر المهمة التي أشار فيها ابن وحشية النبطي إلى وجود أقلام وحروف خاصة بشعوب الشرق، ومنها الحروف الكوردية التي سمّاها “ماسي سوراتي” (5).
ورغم الجدل حول جميع تفاصيل الكتاب، إلا أن مجرد توثيق وجود تقاليد كتابية مرتبطة بالكورد قبل أكثر من ألف عام يُسقط الادعاء القائل إن الكورد لم يعرفوا الكتابة إلا في القرن السادس عشر. كما أن أشكال هذه الحروف تُظهر تقارباً مع الأبجديات الپهلوية والآڤستية والساسانية، ما يشير إلى تطور تاريخي طبيعي لأنظمة الكتابة في المنطقة.
النصوص الدينية والأدبية الكوردية القديمة
تؤكد النصوص اليارسانية والهورية القديمة وجود تراث أدبي كوردي سابق للقرن السادس عشر بقرون طويلة. فقد كُتبت نصوص دينية وأشعار باللهجة الهورامية على جلود الغزال منذ القرن السابع الميلادي، وتحدثت عن الدمار الذي أصاب مناطق الكورد بعد الفتح العربي الإسلامي (6).
كما أن أشعار شخصيات دينية وأدبية مثل:
بابا طاهر الهمداني
شاخوشين
بابا سرهنگ داوداني
كلها تمثل نصوصاً مكتوبة باللهجات الكوردية القديمة قبل القرن السادس عشر بعدة قرون، مما يثبت وجود تقليد لغوي وأدبي متراكم.
اللغة الكوردية من العهد السومري حتى اليوم
يشير الدكتور مهدي كاكائي إلى أن جذور اللغة الكوردية تمتد إلى العصور السومرية وما بعدها، ليس بمعنى أن السومرية كانت لغة كوردية، بل بمعنى أن شعوب زاكروس التي تعاقبت على المنطقة تفاعلت مع الحضارات السومرية والأكدية والحورية والميدية والساسانية، وأسهمت في تشكيل البنية الحضارية واللغوية التي تطورت لاحقاً إلى اللغة الكوردية الحديثة.
فاللغة الكوردية لم تظهر فجأة، وإنما مرت بمراحل تطور طويلة شملت:
اللغات الزاكروسية القديمة،
التأثيرات الهورية والميتانية،
المرحلة الميدية،
المرحلة الپهلوية الساسانية،
ثم اللهجات الكوردية المعروفة اليوم مثل الكرمانجية والسورانية والهورية والزازاكية (7).
وهذا التطور يشبه تماماً تطور اللغة العربية من النبطية والآرامية، أو تطور اللغات الأوروبية الحديثة من اللاتينية والجرمانية القديمة.
خاتمة
إن إنكار وجود كتابة أو تراث لغوي كوردي قبل القرن السادس عشر يتجاهل كماً كبيراً من الأدلة التاريخية واللغوية والأدبية. كما أن تعدد أسماء أسلاف الكورد عبر التاريخ لا ينفي وحدة الامتداد الحضاري والثقافي لشعوب زاكروس، بل يعكس التحولات السياسية التي مرت بها المنطقة عبر آلاف السنين.
إن البحث العلمي الرصين يجب أن يعتمد على المقارنة اللغوية والوثائق الأثرية والتطور التاريخي الطبيعي للشعوب، لا على إسقاطات أيديولوجية أو قراءات انتقائية للتاريخ.
المصادر
ظهور الكورد في التاريخ، الدكتور جمال رشيد أحمد، الجزء الثاني، أربيل، 2005، ص 505-518.
فلاديمير مينورسكي، دراسات حول الكورد واللغات الإيرانية الغربية.
وثائق هورامان المنشورة في مجلة الجمعية الملكية الآسيوية البريطانية سنة 1909.
دياكونوف، تاريخ الميديين واللغات الإيرانية القديمة.
شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام، ابن وحشية النبطي، القرن العاشر الميلادي.
دراسات النصوص اليارسانية والهورية القديمة في التراث الكوردي.
مهدي كاكائي، أبحاث ودراسات حول تطور اللغة الكوردية عبر المراحل التاريخية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. أخبار الصباح | رسالة عاجلة من الأمم المتحدة.. أوقفوا الحرب ق
.. من رماد الحرائق إلى الإعمار.. إسبانيا تتحرك لإغاثة متضرري إق
.. الرابعة | انفجارات في مدن إيرانية.. وعُمان تؤكد التزامها بات
.. بعد حكم أوروبي.. بولندا تعترف إداريا بزواج المثليين المبرم ف
.. حكم غيابي بإعدام محمد حمدان دقلو، فماذا نعرف عن حميدتي وصعود