الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الحرب على إيران وصراع النفوذ الدولي

حسين علي محمود

2026 / 5 / 11
السياسة والعلاقات الدولية


ليست الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران في 2026 مجرد حرب بسبب النووي الإيراني رغم أن الملف النووي يستخدم بوصفه العنوان الأكثر حضوراً في الإعلام والسياسة.
الحقيقة أن المشروع النووي ليس سوى جزء من صراع أوسع وأعمق بكثير يمتد إلى التاريخ والجغرافيا السياسية والطاقة والنفوذ الإقليمي وطبيعة النظام الدولي نفسه.
ولذلك فإن اختزال الحرب كلها في سؤال "هل تمتلك إيران قنبلة نووية؟!" يبدو تبسيطاً شديدً لصراع تتداخل فيه المصالح الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية والأيديولوجية معاً.
منذ سنوات طويلة تحاول إسرائيل والولايات المتحدة تقديم إيران بوصفها الخطر الأكبر على استقرار الشرق الأوسط وتؤكدان أن امتلاك إيران لقدرات نووية عسكرية سيغير ميزان القوى بالكامل.
لكن المشكلة بالنسبة لهما لا تتعلق بالقنبلة النووية وحدها، بل بما تمثله إيران كقوة إقليمية صاعدة استطاعت خلال العقود الماضية أن تبني شبكة نفوذ واسعة تمتد من العراق إلى لبنان واليمن وحتى سوريا الأسد وأن تطور منظومات صاروخية وقدرات عسكرية غير تقليدية وأن تؤسس تحالفات مسلحة وسياسية تجعلها حاضرة في أكثر من ساحة عربية.
ولهذا فإن إسرائيل لا تنظر إلى إيران كخصم عادي يمكن احتواؤه بسهولة، بل تراها تهديداً استراتيجياً طويل الأمد يمكن أن يفرض واقعاً جديداً في المنطقة.
بعد الغزو الأميركي للعراق سنة 2003 حدث تحول جذري في ميزان القوى الإقليمي كأنهيار النظام العراقي الذي كان يشكل حاجزاً جيوسياسياً أمام التمدد الإيراني مما فتح المجال أمام طهران لكي توسع نفوذها السياسي والعسكري بصورة غير مسبوقة.
ومع الوقت ظهرت فكرة محور المقاومة الذي يضم قوى متعددة مرتبطة بإيران سياسياً أو عسكرياً واقتصادياً وأصبح هذا المحور جزءً أساسياً من الاستراتيجية الإيرانية.
بالنسبة لطهران فإن هذه الشبكة ليست مجرد مشروع توسع، بل منظومة دفاع متقدمة تهدف إلى إبعاد المعركة عن الداخل الإيراني.
أما بالنسبة لإسرائيل فهي ترى أن هذا الامتداد يطوقها من أكثر من جبهة ويجعل أي مواجهة مستقبلية أكثر تعقيداً وخطورة.
هنا يصبح الصراع أعمق من مجرد نزاع على برنامج نووي، إنه صراع على من يقود الشرق الأوسط ومن يحدد شكل التوازنات فيه.
تريد طهران أن تكون قوة إقليمية مستقلة تمتلك قرارها السياسي والعسكري بعيداً عن الهيمنة الغربية بينما ترى واشنطن أن صعود قوة إقليمية خارج نفوذها يهدد النظام الذي بنته في المنطقة منذ عقود.
فواشنطن لا تنظر إلى الشرق الأوسط فقط باعتباره منطقة نفطية، بل باعتباره مركزاً استراتيجياً يتحكم بطرق التجارة والطاقة والممرات البحرية والقواعد العسكرية والتحالفات السياسية، لذلك فإن أي قوة تحاول كسر هذا النظام تعتبر تهديداً مباشراً للمصالح الأميركية.
ومن هنا نفهم لماذا لا يمكن فصل الحرب عن الاقتصاد والطاقة حيث تقع إيران جغرافياً بالقرب من أهم ممرات النفط العالمية وأي توتر عسكري معها ينعكس فوراً على أسعار الطاقة والأسواق الدولية.
يمثل مضيق هرمز تحديداً نقطة حساسة للغاية في الاقتصاد العالمي، لأن جزءً ضخماً من تجارة النفط يمر عبره ولهذا فإن أي مواجهة مع إيران ليست مجرد حرب محلية، بل أزمة عالمية يمكن أن تؤثر على الاقتصاد الدولي بأكمله.
كما أن العقوبات الاقتصادية الطويلة التي فرضت على إيران لم تكن مجرد أدوات ضغط سياسية، بل كانت جزء من حرب اقتصادية هدفها إضعاف الدولة الإيرانية وتقليص قدرتها على التحول إلى قوة كبرى في المنطقة.

لا يمكن فصل الحرب ضد إيران عن الصراع العالمي بين أمريكا والصين، فواشنطن تدرك أن الصين تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج وطرق التجارة التي تمر عبر الشرق الأوسط، لذلك فإن الضغط على إيران لا يضعف طهران فقط، بل يضغط أيضاً على الاقتصاد الصيني بصورة غير مباشرة. وإيران بالنسبة إلى بكين ليست مجرد مصدر طاقة، بل شريك مهم ضمن مشروع الحزام والطريق الذي تسعى الصين من خلاله لتوسيع نفوذها الاقتصادي عالمياً.
لهذا يرى بعض الباحثين والمحللين أن الصراع مع إيران أصبح جزء من المنافسة الكبرى بين أمريكا والصين على قيادة العالم.
فكلما بقيت منطقة الخليج تحت التوتر والعقوبات ازدادت قدرة واشنطن على التحكم بالطاقة والممرات التجارية التي تحتاجها الصين مما يجعل الحرب تتجاوز حدود الشرق الأوسط إلى صراع أوسع على النفوذ العالمي.


لكن الصراع لا يمكن فهمه فقط من خلال المصالح المادية هناك أيضاً بعد تاريخي وأيديولوجي عميق يعود إلى الثورة الإيرانية عام 1979.
قبل الثورة كانت إيران حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة في عهد الشاه وكانت تلعب دور الشرطي الإقليمي الذي يحمي المصالح الغربية لكن بعد الثورة تغير كل شيء. اقتحام السفارة الأميركية في طهران ورفع شعار الموت لأمريكا وقطع العلاقات السياسية، كلها أحداث صنعت عداوة طويلة المدى بين الطرفين.
ومنذ ذلك الوقت أصبح الصراع يحمل طابعاً رمزياً وأيديولوجياً أيضاً، إذ ترى إيران نفسها قوة ترفض الهيمنة الغربية بينما تنظر الولايات المتحدة إلى النظام الإيراني بوصفه نظاماً معادياً لمشروعها في المنطقة.
أما إسرائيل فهي تنظر إلى إيران بطريقة مختلفة تماماً عن نظرتها لبقية خصومها، فالحروب السابقة التي خاضتها إسرائيل مع دول عربية كانت غالباً حروب حدود أو صراعات نفوذ يمكن الوصول فيها إلى تسويات سياسية لاحقاً لكن إيران بالنسبة إلى إسرائيل تمثل تهديداً من نوع آخر لأنها لا تعترف بشرعية إسرائيل أصلاً ولأنها تدعم مجاميع مسلحة تعتبرها تل أبيب خطراً مباشراً على أمنها ولأنها تمتلك مشروعاً إقليمياً طويل النفس.
لهذا تشكل داخل إسرائيل ما يشبه الإجماع على ضرورة منع إيران من التحول إلى قوة مهيمنة في الشرق الأوسط حتى لو استدعى ذلك ضربات عسكرية واسعة أو حرباً طويلة الأمد.
ومع ذلك، فإن الحديث عن إسقاط النظام الإيراني يبقى معقداً جداً، فإيران ليست دولة صغيرة أو هشة يمكن إسقاطها بسهولة كما حدث مع دول أخرى.
إنها دولة كبيرة من حيث المساحة والسكان ولديها مؤسسات أمنية وعسكرية قوية كما أن بنيتها السياسية أكثر تعقيداً مما يتصور كثيرون.
ولهذا فإن أي حرب واسعة ضدها قد تتحول إلى فوضى إقليمية ضخمة تمتد اثارها إلى العراق والخليج ولبنان وسوريا وربما أبعد من ذلك.
كثير من الخبراء يخشون من تكرار سيناريوهات الفوضى التي أعقبت إسقاط أنظمة أخرى في المنطقة لكن على نطاق أكبر وأكثر خطورة.
ومع كل هذه الاحداث تستخدم اللغة الدينية والطائفية بكثرة في الإعلام والخطابات السياسية، فيبدو أحياناً وكأن الحرب صراع مذهبي أو ديني خالص لكن جوهر المسألة يبقى سياسياً واستراتيجياً في المقام الأول.
الدين هنا يستعمل غالباً كأداة تعبئة وتبرير بينما تتحرك الدول في النهاية وفق حسابات القوة والمصالح والأمن والنفوذ، فحتى التحالفات الإقليمية تتغير باستمرار بحسب المصالح وليس بحسب الانتماءات العقائدية فقط.

ما يجعل هذا الصراع يبدو بلا نهاية هو أن كل طرف يراه معركة وجودية حيث إسرائيل تعتبر إيران خطراً على بقائها وأمنها وإيران ترى الولايات المتحدة وإسرائيل تهديداً لبقاء النظام نفسه بينما تنظر واشنطن إلى إيران باعتبارها العقبة الأكبر أمام مشروعها الإقليمي.
وعندما يتحول الصراع إلى صراع وجود تصبح التسويات المؤقتة هشة للغاية لأن كل هدنة تخفي تحتها أسباب الانفجار القادم.
لهذا فإن الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران ليست مجرد حرب لمنع تخصيب اليورانيوم أو تعطيل مشروع نووي، بل هي مواجهة أوسع تتعلق بمن يملك النفوذ في الشرق الأوسط ومن يرسم شكل النظام الإقليمي ومن يتحكم بالطاقة والممرات البحرية ومن يفرض معادلات القوة في المنطقة.
النووي ليس سوى العنوان الأكثر وضوحاً أما الجذور الحقيقية فتتعلق بصراع طويل على السلطة والهيمنة والأمن والتاريخ والمستقبل معاً.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قريبا، كسوفٌ كلّي للشمس.. ما هي أسرار الظاهرة النادرة وأين ي


.. آثار ليبيا بين النهب والكوارث.. علماء الآثار يصارعون لإنقاذ




.. أميركا توسّع ضرباتها على إيران.. ما سر استهداف الجسور وطرق ا


.. عودة عمليات تحميل النفط الخام من موانئ جنوب العراق




.. قراءة عسكرية | تصاعد الحوادث في مضيق هرمز بعد تصعيد أمريكي إ