الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


صلاح الأعزب: مِحراب الوفاء *

سعاد الراعي
كاتبة وناقدة

(Suad Alraee)

2026 / 5 / 11
الادب والفن


الجار صلاح.. ذلك الذي اتخذ له أهلُ المحلّة لقبًا التصق به حتى غدا جزءًا من هويته، ينادونه بمحبةٍ يشوبها مزاحٌ رقيق: "صلاح الأعزب".
كان قد تجاوز الأربعين من سنوات عمره، غير أنّ ملامحه لم تكن توحي برجلٍ طحنته رحى السنين؛ بل كانت، كما هي دائما، تشي بصفاءٍ هادئ ووقارٍ مستكين، كأنّ الزمن مرّ بساحته حافيًا، فلم يترك خلفه سوى خطوطٍ طفيفة من الحكمة حول عينيه.
كان يعمل مدرّسًا للغة العربية في إحدى ثانويات المدينة، يقضي نهاره متنقّلًا بين سبورات الفصول ودفاتر الطلاب، يزرع في عقولهم الناشئة بذور الجمال والبيان. وكان اهل الحي يرون فيه ذلك المعلّم الذي لا يلقّن فقط، بل يفتح نوافذ خفيّة من البهجة في أرواح تلاميذه، حيث تتشكّل الأحلام الأولى.
حين ينفضُّ الدرس، كان يعود مسرعًا إلى بيته المتواضع، حيث تنتظره حياةٌ أخرى لا تقلّ قداسة عن رسالته..
حياةٌ تتمحور حول امرأةٍ منحته الوجود، ثم انسحبت خلف جدار الصمت.
هناك، في ذلك الركن الهادئ من المحلّة، كانت تقيم أمّه..
تلك المرأة التي صادر المرض قدرتها على النطق والسمع، وأقعدها الزمان فوق مقعدٍ ذي عجلات، أصبح صلاحُ حركتها الوحيدة وامتداد يديها إلى العالم.
لم يكن مجرد ابنٍ يعتني بأمّه، كان أشبه بوعدٍ يُعاد تجديده كل يوم.
كان يدفع عربتها بعنايةٍ فائقة، تشبه عناية الأب بطفله الأول في أولى خطواته، يراعي اهتزازات المقعد، ويتحاشى الحفر الصغيرة في الزقاق كأنها أخاديد عميقة تهدّد سلامتها.
انكمشت ملامحها تحت وطأة السنين، غير أنّ عينيها ظلّتا نافذتين مفتوحتين على الحب، تلمعان بوميضٍ دافئ كلما وقع بصرها على وجه صلاح، كأنها ترى فيه تعويضًا من السماء عن كل ما فقدته.
رغم وسامته الهادئة، وروحه المرحة التي تجعل حديثه نُزهةً للقلوب، ظلّ صلاح أسير اختياره "الأعزب".
كان الجميع يدرك، أن عزوفه لم يكن جفاءً ولا زهدًا، بل كان قربانًا صامتًا قدّمه على محراب أمّه.
كان يخشى أن تأتي امرأةٌ تشاركه الحياة فترى في أمّه عبئًا، أو أن يقتحم ضجيجُ الأطفال سكون تلك المرأة الهرِمة، فتغدو غريبةً في بيتٍ عمّرته بصبرها.
ومع ذلك، لم تكفّ الأم يومًا عن حثّه على الزواج بلغة الإشارة التي ابتكرها قلبها. كانت تحرّك يديها المرتعشتين، تشير إلى قلبها ثم إلى السماء، وترسم في الفضاء هيئة طفلٍ صغير يحبو. كان يفهم شفرات حبها، فيبتسم ابتسامةً تمزج الحنان بالحرج، ويهمس لها بكلماتٍ لا تسمعها أذناها لكن قلبها يشعر بها:
"ليس الآن يا أمي. ليس بعد."
في أسواق المحلّة، كان مشهد صلاح وهو يدفع مقعدها لوحةً إنسانية تفيض بالسكينة. وكانت هدى، حين تمرّ بهما اثناء التسوق، تتباطأ قليلًا كأنها لا تريد أن تُفلت تلك اللحظة من عينيها.
يقف عند بائع الفاكهة، يرفع حبة تفاحٍ أو برتقال أمام عينيها مستفهمًا بحاجبيه، فتومئ برأسها موافقةً أو رافضة، فيبتسم لها بدفء يشبه تفتح زهرة في صباحٍ هادئ.
في أيام العطل، يقصد بها الحديقة الكبيرة عند طرف الحيّ، حيث الظلال الوارفة والأشجار العتيقة. هناك، يمنحها فرصةً لاستنشاق العالم والتمعن في حدوده اللامتناهية.
أحيانًا، حين يخلو الطريق، كان يمازحها بطريقةٍ طفولية؛ يجلس على مسند المقعد خلفها، يحيط كتفيها بذراعٍ قوية، ويدفع العجلات بقدميه لينطلقا معًا في سباقٍ وهمي مع الريح.
كانت تضحك بصمتٍ طافح، يميل برأسه نحوها كطفلٍ يستجدي رضاها ويشرح فؤادها برًّا بها.
لم يكن البيت الذي استقرّا فيه أخيرًا قصرًا، بل كان، قلعةً بُنيت من حجارة العناد والصبر.
لسنواتٍ طويلة، عاش صلاح وأمّه حياة الترحال في بيوت الإيجار، يطويان حقائبهما كلما ارتفع سعر الايجار أو انتهى عقده.
كانت ترى في عينيه ذلك الإصرار الصامت، وكأنه يلاحق حلمًا لا يحق له أن يخونه.
لطالما كانت تقول له، بلغة يديها وعينيها:
"يا ولدي، لا كرامة للمرء إلا في بيتٍ يملكه"
ومن أجل تلك الرغبة، نحت صلاح الصخر؛ وَفّرَ من راتبه الضئيل، واقتصد في كل شيء، حتى استطاع شراء ذلك البيت المتواضع.
يوم دخلته أمّه أول مرة، لم تكن تمشي، بل كانت عيناها تطوفان على السقوف والجدران كأنها تستردّ وطنًا ضائعًا.
لمست الحائط بيدٍ مرتعشة، ثم استقرّت في منتصف الغرفة وأجهشت بدموعٍ صامتة.
لم تنطق بكلمة، لكن صلاح قرأ في تلك الدموع فصلًا كاملًا من الشكر والارتياح، إذ علمتْ يقينًا أنها لم تكن يومًا عبئًا، بل كانت البوصلة التي وجهت كفاحه وشاركت في تحمله.
تحسّنت صحتها في ذلك البيت، وصار كل ركنٍ فيه يحمل أثرًا من جهاده:
الغرفة المشمسة، والمنحدر الصغير عند الباب، والحديقة التي سورها بشجيراتٍ الآس التي تليق بوقارها.
أصبح البيت بالنسبة له محرابًا مقدّسًا، لا مجرد عقار.
وحين أظلمت سماء المحلّة بغزو الخنافس، كان صلاح أكثر الجيران صمتًا وقلقًا. لم يكن يخشى الحشرات بقدر ما كان يخشى الفوضى التي قد تكسر سكون عالم أمّه.
كان يراقب انتشارها بريبة، ويفكر في الإجراءات التي يجب ان يسلكها ضدها، وخاصة في الحديقة التي ناضل لزراعتها وايناعها.
وحين بدأت همسات الرحيل تتصاعد، ظلّ صامتًا، وعيناه معلّقتان ببيته في نهاية الزقاق. كان في ذلك الصمت شيئًا أثقل من الكلام؛ كان أشبه بتمسّك أخير بجذرٍ لا يُرى.
كان يدرك أن المحلّة ليست مجرد مكان، بل هي الرئة التي تتنفس بها أمّه.
وأن الرحيل لن يكون انتقالًا، بل اقتلاعًا.
وقف في الساحة، وسط صخب الجيران، يراقبهم بهواجسه، وغصّةٌ خانقة تعتصر صدره.
كان يعرف أن دفاعه عن البيت ليس دفاعًا عن جدران، بل عن المعنى نفسه.. فخلف تلك الجدران تقبع أمّه…
دنياه كلّها، والبيتٌ هو الشاهد الأخير على صدق الوعد ووفاء الابن.
**
تابع
*فصول من رواية قيد الانجاز








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لما بنحب نفصل بنروح نتفرج على مسرحيات مركز الابداع


.. نظريات تسميم روسية وإيرانية.. الرواية الرسمية لوفاة ليندسي غ




.. نجوم فرايداي: قدمنا نقلة نوعية في تاريخ المسرح المصري.. وفخو


.. أحمد البوهي خيالي كمخرج ملوش حدود.. وجسد الممثل هو أداتي الأ




.. ما ملامح رؤية الأمير الوالد للثقافة والإعلام في بناء قطر الح