الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من خصومات التصدير إلى تحفيز الداخل: مقاربة عراقية بديلة للأزمة النفطية

ميثم ادهم الزبيدي
(Maitham Adham Zubaidy)

2026 / 5 / 12
الادارة و الاقتصاد


يشهد العراق اليوم واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه النفطي الحديث، ليس فقط بسبب تقلبات أسعار الطاقة العالمية، بل نتيجة التداخل المعقد بين الجغرافيا السياسية وأمن الإمدادات وقيود التصدير. فاعتماد الجزء الأكبر من صادرات النفط العراقية على مسارات بحرية تمر عبر مضيق هرمز جعل الاقتصاد العراقي عرضة لاضطرابات لا ترتبط مباشرة بقدراته الإنتاجية، بل بعوامل خارجية تتجاوز سيطرته.
وفي خضم هذا الواقع، برز اتجاه يدعو إلى تقديم خصومات سعرية كبيرة على النفط العراقي للحفاظ على التدفقات التصديرية وتعويض المشترين عن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والمخاطر الجيوسياسية. ورغم أن هذا الخيار قد يبدو عمليًا على المدى القصير، إلا أنه يثير في المقابل تساؤلات جوهرية تتعلق بحدود فعاليته وكلفته الاقتصادية والسياسية على المدى المتوسط والبعيد.
فسياسة الخصومات الواسعة لا تعني فقط التنازل عن جزء من الإيرادات السيادية، بل قد تضع العراق أيضًا في موقع تنافسي حساس داخل سوق النفط العالمية. إذ إن استمرار تقديم تخفيضات كبيرة قد يُفسَّر بوصفه منافسة سعرية غير مباشرة داخل تحالف أوبك+، خصوصًا إذا تحولت الخصومات إلى أداة دائمة للحفاظ على الحصة السوقية. وفي سوق شديدة الحساسية للتوازنات السياسية والإنتاجية، فإن أي تحرك منفرد قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية أو تفاوضية إضافية على العراق داخل التحالف النفطي.
وفي المقابل، تُطرح بين الحين والآخر فكرة تنويع منافذ التصدير عبر إنشاء خطوط أنابيب برية جديدة باتجاه دول وموانئ بديلة لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحالية. غير أن هذا الخيار، رغم أهميته الاستراتيجية، لا يبدو قادرًا على تقديم حل سريع للأزمة الراهنة. فمشاريع الأنابيب العابرة للحدود تحتاج إلى سنوات طويلة من التفاوض والإنشاء والتمويل، فضلًا عن أنها تبقى مرتبطة بحسابات سياسية وإقليمية معقدة قد تجعلها عرضة للتعطيل أو التوقف عند أي تغير في العلاقات أو المصالح بين الدول. بمعنى آخر، فإن الرهان الكامل على مشاريع البنية التحتية طويلة الأجل لا ينسجم مع طبيعة الضغوط الآنية التي يواجهها الاقتصاد العراقي اليوم.
من هنا، قد يكون من الضروري إعادة النظر في طبيعة الاستجابة الاقتصادية للأزمة. فإذا كان العراق يعتزم فعليًا تقديم خصومات كبيرة على النفط المصدر إلى المشترين الخارجيين، فإن السؤال المنطقي يصبح: لماذا لا يُعاد توجيه جزء من هذه الميزة السعرية إلى الداخل العراقي بدلًا من منحها بالكامل للأسواق الخارجية؟
فبدل بيع النفط الخام بخصومات مرتفعة في بيئة مضطربة، يمكن استخدام جزء من الوفرة النفطية لتخفيض أسعار الوقود والطاقة للقطاعات الإنتاجية المحلية، وخصوصًا الصناعة والنقل والزراعة. إن مثل هذا التوجه لا ينبغي فهمه بوصفه دعمًا استهلاكيًا تقليديًا، بل باعتباره سياسة تحفيز اقتصادي تستهدف خلق قيمة مضافة داخلية وتعويض جزء من الخسائر التصديرية عبر تنشيط الاقتصاد المحلي.
فالطاقة الرخيصة تمثل عنصرًا حاسمًا في كلفة الإنتاج والنقل، وأي تخفيض مدروس في أسعار الوقود للقطاعات المنتجة قد يؤدي إلى تحريك عجلة الصناعة، وخفض كلف النقل والخدمات، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، فضلًا عن تخفيف الضغوط التضخمية على السوق المحلية. كما أن استخدام النفط داخل الدورة الاقتصادية العراقية قد يحقق مردودًا اقتصاديًا غير مباشر يفوق أحيانًا عائد تصديره الخام بخصومات كبيرة.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى دعم شامل أو مفتوح قد يؤدي إلى الهدر والتهريب واستنزاف المالية العامة، بل إلى تبني سياسة دعم إنتاجي انتقائي ومشروط ترتبط بالإنتاج الحقيقي والتشغيل والقيمة المضافة. فالمعادلة هنا ليست بيع الوقود بسعر منخفض للجميع، وإنما توظيف الميزة النفطية لبناء نشاط اقتصادي قادر على توليد فرص عمل وتحريك السوق الداخلية.
لقد كشفت الأزمة الحالية هشاشة النموذج الاقتصادي القائم على تصدير الخام وحده، وأظهرت أن المشكلة لا تكمن فقط في صعوبة الوصول إلى الأسواق، بل في محدودية الاستفادة المحلية من الثروة النفطية نفسها. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام العراق اليوم قد لا يكون مجرد إيجاد طرق بديلة لتصدير النفط، وإنما إيجاد طرق بديلة لاستخدامه اقتصاديًا بصورة أكثر كفاءة واستدامة.
وبين خيار الخصومات الخارجية والتحفيز الاقتصادي الداخلي، ربما يصبح السؤال الأكثر أهمية: هل يستمر النفط العراقي مجرد سلعة تُصدَّر بأقل الخسائر الممكنة، أم يتحول أخيرًا إلى أداة لإعادة بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على الصمود في مواجهة الأزمات؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مواقف الأمير الوالد التاريخية وإنجازاته السياسية والاقتصادية


.. منافسة بين أب ونجله في مسابقة دولة التلاوة .. لكن رأي لجنة




.. كيف قاد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني نهضة الاقتص


.. شاركنا رأيك.. هل سيرتفع الذهب أم سيتراجع؟




.. ليلة من الفرح الإنكليزي بعد بلوغ المربع الذهبي