الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ترامب والكورد: بين الاتهامات الأميركية والإهانة السياسية وأزمة الانقسام الكوردي

نهاد القاضي
كاتب

(Nihad Al Kadi)

2026 / 5 / 12
مواضيع وابحاث سياسية


قراءة سياسية وحقوقية في تصريحات دونالد ترامب تجاه الكورد، وتأثير الانقسام الداخلي على صورة القضية الكوردية أمام العالم

أثارت التصريحات الأخيرة المنسوبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الكورد الكثير من الجدل السياسي والحقوقي، ليس فقط بسبب طبيعة الاتهامات التي وردت فيها، بل بسبب ما تحمله من تعميمات تمس شعباً بأكمله، وتختزل تاريخاً طويلاً من النضال والتضحيات في عبارات سياسية حادة تفتقر إلى الدقة والإنصاف.
فقد تحدث ترامب عن إرسال أسلحة إلى الكورد لغرض دعم المعارضة الكوردية في ايران ، ثم أشار إلى أن “الكورد لم يعيدوا هذه الأسلحة واحتفظوا بها”، وفي الوقت نفسه وصفهم بأنهم “يحاربون مقابل المال”، رغم أن شخصيات ومؤسسات أميركية عديدة، بما فيها أعضاء في في الكونكريس الامريكي، لطالما أشادت بالدورالقتالي للكورد في مواجهة الإرهاب والتطرف.
إن المشكلة الأساسية في هذه التصريحات لا تكمن فقط في مضمونها السياسي، بل في التعميم الذي يُحمّل “الشعب الكوردي” مسؤولية ملفات يفترض أنها – إن صحت – تتعلق بجهات سياسية أو عسكرية أو أمنية محددة. فالشعوب لا تستلم الأسلحة بصورة مباشرة، وإنما تتعامل الدول والتحالفات الدولية مع حكومات وأحزاب وقوى امنية وتنظيمات معروفة. ولذلك فإن أي حديث عن “أسلحة أُرسلت للكورد” يجب أن يكون واضحاً وموثقاً: من هي الجهة التي استلمت هذه الأسلحة؟ ومتى تم ذلك؟ وبأي اتفاق سياسي أو عسكري؟ وهل كانت تلك العملية تحت إشراف التحالف الدولي؟ ام انها صفقات مشبوه.
إن غياب الوضوح في هذه المسائل يجعل من الخطاب السياسي عرضة للتناقض والتوظيف الإعلامي، ويحول قضية معقدة إلى اتهامات عامة تمس شعباً كاملاً، وهو أمر يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة السياسية والقانون الدولي.
لقد تأسست منظومة القانون الدولي الحديثة، بعد الحرب العالمية الثانية، على حماية الشعوب من التمييز والإهانات الجماعية والخطابات التي تستهدف القوميات والهويات الوطنية. وقد أكدت الامم المتحدة في ميثاقها على مبدأ المساواة بين الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، فيما نصّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن جميع البشر متساوون في الكرامة والحقوق دون أي تمييز قومي أو عرقي.
كما شدد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على رفض الخطابات التي تؤدي إلى الكراهية القومية أو التمييز الإثني، بينما أكدت الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري ضرورة الامتناع عن تعميم الصور النمطية والإساءات الجماعية بحق الشعوب والقوميات.
ومن هذا المنطلق، فإن تصوير الكورد على أنهم “يحاربون من أجل المال” لا يمكن اعتباره مجرد توصيف سياسي عابر، بل يحمل دلالات تمس كرامة شعب بأكمله، وتضعه في صورة المرتزقة أو القوى المرتبطة بالمصالح المادية، وهو أمر يناقض الوقائع التاريخية والسياسيةللشعب الكوردي.
فالكورد لم يخوضوا معاركهم عبر العقود من أجل المكاسب المالية، بل من أجل البقاء والحرية والاعتراف بحقوقهم القومية والإنسانية، بعد أن تم تقسيم كوردستان بين عدة دول، وتعرض الشعب الكوردي خلالها إلى سياسات القمع والتهجير والإبادة الجماعية .
لقد واجه الكورد، في العراق وايران وسوريا و تركيا ، محاولات مستمرة لإنكار هويتهم القومية وحقوقهم الثقافية والسياسية، كما تعرضوا إلى جرائم موثقة تاريخياً، من بينها حملات الإبادة التي ارتكبها نظام صدام حسين وانظمة اخرى في دول اقليمية ، والتي استخدمت فيها الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين الكورد.
وفي السنوات الأخيرة، لعبت القوات الكوردية دوراً محورياً في مواجهة تنظيم داعش والتنظيمات المتطرفة الأخرى، وقدمت آلاف الضحايا دفاعاً عن المنطقة والعالم، بما في ذلك حماية أمن أوروبا والولايات المتحدة نفسها من تمدد الإرهاب الراديكالي.
إن السلاح الذي وصل إلى القوات الكوردية خلال الحرب ضد الإرهاب لم يكن “منحة مجانية”، بل كان جزءاً من تعاون عسكري ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيمات شكلت تهديداً مباشراً للعالم بأسره. ولذلك فإن محاولة تصوير الكورد كقوة “تحارب من أجل المال” تتجاهل حجم التضحيات البشرية التي قدمها هذا الشعب في مواجهة الإرهاب والتطرف.
لكن، وفي مقابل رفض الإساءات والتعميمات التي تطال الشعب الكوردي، لا بد أيضاً من وقفة نقد ذاتي شجاعة داخل البيت الكوردي نفسه.
فالصراعات الكوردية ـ الكوردية، والانقسامات الحزبية الحادة داخل إقليم كوردستان، والخلافات المستمرة بين الحزبين الرئيسيين، أضعفت الموقف القومي والسياسي للكورد، وفتحت الباب أمام القوى الدولية والإقليمية للتعامل مع القضية الكوردية باعتبارها ملفاً قابلاً للاستخدام السياسي والضغط والمساومة.
إن استمرار التنافس الحزبي وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية العليا جعل صورة الكورد في بعض المحافل الدولية مرتبطة بالانقسام الداخلي أكثر من ارتباطها بقضية شعب يناضل من أجل حقوقه المشروعة.
كما أن غياب الشفافية في بعض الملفات السياسية والأمنية، ووجود انتقادات حقوقية تتعلق بحرية التعبير والانتهاكات الداخلية والصراع على النفوذ، كلها عوامل ساهمت في إضعاف الخطاب الكوردي أمام العالم وامام شعبه، وأعطت الفرصة للبعض لإطلاق تصريحات مسيئة أو التقليل من قيمة التضحيات الكوردية.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تصريحات رئيس دولة عظمى، بل في أن يتحول الانقسام الداخلي إلى سبب دائم يسمح حتى لأضعف الجهات والقوى بالإساءة إلى الكورد والتحدث عنهم بلا احترام أو تقدير.
ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية تقع اليوم على عاتق القيادات والأحزاب الكوردية قبل غيرها، من أجل بناء موقف وطني موحد، وإعادة الاعتبار للمشروع القومي والحقوقي الكوردي بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة، لأن الشعوب المنقسمة سياسياً تصبح أكثر عرضة للاستغلال والتشويه والتخلي الدولي.
وفي الوقت نفسه، من حق الشعب الكوردي والرأي العام معرفة الحقيقة الكاملة بشأن أي اتفاقات أو شحنات سلاح أو تفاهمات عسكرية تمت خلال السنوات الماضية. فإذا كانت هناك بالفعل أسلحة تم تسليمها إلى جهات كوردية، فمن الواجب إعلان الجهة التي استلمتها وطبيعة الاتفاق المتعلق بها ومصير تلك الأسلحة. أما إذا كانت هذه الادعاءات غير صحيحة، فمن واجب القيادات الكوردية الرد بشكل موحد وواضح وحازم، وعدم ترك الشعب الكوردي عرضة للاتهامات والتشكيك.
إن الشعوب لا يجب أن تتحول إلى أدوات لتبرير الإخفاقات السياسية أو العسكرية للدول الكبرى، كما أن أي فشل في تحقيق أهداف استراتيجية في المنطقة، بما في ذلك الملف الإيراني، لا يمكن اختزاله أو تحميله لقضية “أسلحة خفيفة” قيل إنها سُلّمت للكورد.
إن الكورد شعب عريق سبق وجوده التاريخي قيام كثير من الدول الحديثة، وقد دفع أثماناً باهظة نتيجة الصراعات الدولية والإقليمية، بما في ذلك دعم قوى كبرى لأنظمة مارست بحقه القمع والإبادة.
ولذلك فإن الدفاع عن كرامة الشعب الكوردي ورفض التعميمات المهينة بحقه ليس موقفاً عاطفياً أو حزبياً، بل موقف قانوني وأخلاقي وإنساني ينسجم مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان والقانون الدولي.
ويبقى السؤال الأهم: هل المطلوب من الكورد أن ينسوا تضحياتهم في مواجهة الإرهاب، وأن يقبلوا تحويلهم من حلفاء في الحرب ضد التطرف إلى متهمين جماعياً بسبب خلافات سياسية دولية متغيرة؟
إن احترام الشعوب وحقوقها القومية لا ينبغي أن يخضع للمصالح المؤقتة أو للخطابات الانتخابية العابرة، لأن كرامة الشعوب ليست ورقة تفاوض، والتاريخ لا يُكتب بالتصريحات، بل بتضحيات الأمم ونضالها الطويل من أجل الحرية والعدالة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رئيس مجلس أمناء جامعة لوسيل علي بن فطيس المري: يعد عهد الأمي


.. أمريكا وإيران.. تصعيد ميداني في قلب مسار دبلوماسي




.. تصعيد ليلي جديد.. سلسلة انفجارات تهز المواقع الاستراتيجية في


.. خارج الصندوق | البند الخامس ينسف مذكرة التفاهم.. سر تصاعد أز




.. خارج الصندوق | ينتظر موافقة إيران.. تفاصيل المقترح العماني ل