الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كيف يقرأ العقل الجيوسياسي الروسي تاريخ الصراع مع الغرب؟

زياد الزبيدي

2026 / 5 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

13 أيار مايو 2026

في مقال مطوّل نشره الكاتب والمحلل الروسي موديست كوليروف يوم 9 أيار/مايو 2026 على موقع «مؤسسة الثقافة الاستراتيجية» تحت عنوان «التهديد القادم من الغرب: بولندا عبر القرون»، لا يقدّم المؤلف قراءة تاريخية تقليدية للعلاقات الروسية ـ البولندية، بل يبني سردية جيوسياسية واسعة ترى أن الصراع الدائر اليوم في أوكرانيا ليس أزمة منفصلة عن الماضي، بل إمتداد لمسار تاريخي طويل من التنافس على أوروبا الشرقية، وعلى المجال الحيوي المحيط بروسيا.

المقال، بكثافته الوثائقية والإستشهادية، يبدو أقرب إلى محاولة تفسير الكيفية التي تنظر بها قطاعات من النخبة الفكرية الروسية إلى التاريخ الأوروبي الحديث، وإلى فكرة «الخطر الغربي» بوصفها عنصرًا بنيويًا متكررًا في التجربة الروسية منذ القرون الماضية وحتى اليوم.

ينطلق كوليروف من الحرب البولندية ـ السوفياتية عام 1920 بعد الثورة وفي خضم الحرب الأهلية الروسية، التي يعتبرها لحظة تأسيسية في الوعي الأمني السوفياتي المبكر. فبحسب الرواية التي يعرضها، لم يكن هدف يوزف بيوسودسكي مقتصرًا على تثبيت إستقلال بولندا الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى، بل شمل أيضًا محاولة إعادة بناء النفوذ البولندي شرقًا ضمن حدود الكومنولث البولندي ـ الليتواني قبل تقسيماته في القرن الثامن عشر، أي على حساب أوكرانيا وبيلاروسيا وأجزاء من الفضاء الروسي الغربي.

ويستند الكاتب إلى وثائق عسكرية وإستخباراتية سوفياتية ليقول إن موسكو رأت مبكرًا في بولندا رأس حربة محتملًا لتحالف غربي أوسع ضد الدولة السوفياتية الوليدة، خصوصًا في ظل الدعم البريطاني والفرنسي للقوى المناهضة للبلاشفة خلال الحرب الأهلية الروسية. ولهذا يركّز المقال على أن الجبهة الغربية بقيت، في التفكير العسكري الروسي والسوفياتي، مصدر التهديد الأخطر مقارنة بالقوقاز أو الشرق الأقصى.

ولإسناد هذه الفكرة، يستعيد كوليروف وثيقة تعبئة عسكرية صادرة عن الإمبراطورية الروسية عام 1913، تُظهر أن القسم الأكبر من الإنفاق العسكري التعبوي خُصص للجبهة الغربية. كما يورد خلاصات من تقييمات عسكرية سوفياتية في عشرينيات القرن الماضي تتحدث عن إحتمال هجوم يستهدف «أوكرانيا الغنية بالقمح والصناعة»، ثم يمتد نحو دونباس وموانئ البحر الأسود.

وفي هذا السياق يحتل البعد الإقتصادي للصراع موقعًا محوريًا في المقال. فأوكرانيا، كما يقدّمها الكاتب، ليست مجرد مسألة قومية أو حدودية، بل مركز ثقل إستراتيجي يرتبط بالغذاء والفحم والصناعة الثقيلة والموانئ. ولهذا يستشهد بقول القائد السوفياتي ميخائيل توخاتشيفسكي إن أوكرانيا كانت «المستعمرة التي يحلم بها هتلر»، في إشارة إلى دورها المركزي في التصور الألماني للتوسع شرقًا.

ومن هنا ينتقل النص إلى الفكرة المحورية التي يقوم عليها البناء كله: وجود إستمرارية جيوسياسية بين مشاريع مختلفة إتجهت شرقًا عبر القرن العشرين، من تصورات بيوسودسكي، إلى المشروع النازي، ثم سياسات الإحتواء الغربية خلال الحرب الباردة، وصولًا إلى توسع حلف الناتو بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي.

وفي خلفية هذا السرد يظهر باستمرار الإرث التاريخي للشعار الألماني الشهير Drang nach Osten («الزحف نحو الشرق»)، وهو التعبير الذي إرتبط تاريخيًا بالتوسع الألماني نحو أوروبا الشرقية والمجالات السلافية. والمصطلح أقدم من النازية نفسها، إذ يعود إلى الأدبيات القومية والجيوسياسية الألمانية في القرن التاسع عشر، قبل أن تعيد ألمانيا النازية صياغته بصورة أكثر راديكالية داخل مفهوم «المجال الحيوي» (Lebensraum).

وقد تحولت هذه الفكرة في عهد أدولف هتلر إلى مشروع سياسي وعسكري متكامل هدفه السيطرة على بولندا وأوكرانيا وروسيا الغربية، وتحويل الشرق الأوروبي إلى فضاء إستعماري ألماني طويل الأمد. وفي هذا السياق يستحضر المقال خطة Generalplan Ost، التي تضمنت تصورات لإعادة هندسة البنية السكانية والسياسية للشرق الأوروبي عبر التهجير والإخضاع والإستيطان.

ومن هذا المنظور يكتسب إختيار صورة اللقاء الذي جمع بيوسودسكي ووزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز في وارسو يوم 15 حزيران/يونيو 1934 دلالة رمزية واضحة في المقال. فالصورة تُستخدم بوصفها إختصارًا لفكرة التقاطعات المرحلية التي ظهرت، في بعض اللحظات التاريخية، بين قوى أوروبية مختلفة إشتركت في العداء للإتحاد السوفياتي، حتى وإن إنتهت تلك المسارات لاحقًا بصدامات كبرى داخل أوروبا نفسها.

ويعطي المقال مساحة واسعة لتحذيرات مؤسس أجهزة الأمن السوفياتية فيليكس دزيرجينسكي عام 1926، حين كتب إلى جوزيف ستالين محذرًا من أن بولندا تستعد «لفصل بيلاروسيا وأوكرانيا عن الإتحاد السوفياتي». والأهم أن دزيرجينسكي، الذي كان يشرف أيضًا على المجلس الأعلى للإقتصاد الوطني، ربط بصورة مباشرة بين هذا التهديد وبين ضرورة بناء قاعدة صناعية ـ عسكرية قوية، معتبرًا أن السياسة الخارجية السوفياتية تفرض «إقامة صناعة عسكرية قادرة بسرعة».

ومن خلال هذه الإقتباسات يحاول كوليروف إظهار أن المخاوف السوفياتية من الغرب لم تكن، في نظر مؤسسات الدولة آنذاك، مجرد هواجس أيديولوجية، بل جزءًا من تصور إستراتيجي متكامل للأمن القومي.

ولهذا يتوقف المقال مطولًا عند سياسات التطهير الأمني التي طالت المناطق الحدودية الغربية في الثلاثينيات، وكذلك عند «الرعب الكبير» عامي 1937 ـ 1938. فالنص يربط تلك السياسات بالمخاوف من «الطابور الخامس» وإحتمال الإختراق البولندي أو الألماني داخل الجيش والمناطق الحدودية، خصوصًا في أوكرانيا وبيلاروسيا. كما يشير إلى أن أولى موجات تطهير القيادة العسكرية السوفياتية إستهدفت تحديدًا قادة المناطق الغربية والشرقية الحساسة، في ظل إقتناع ستالين بأن الحرب المقبلة ستأتي من الغرب.

وفي هذا السياق يستشهد الكاتب بتقارير إستخباراتية سوفياتية من أواخر الثلاثينيات تحدثت عن نيات ألمانية لفصل أوكرانيا عن الإتحاد السوفياتي. كما يستعيد مقطعًا من شعر أرسيني تاركوفسكي كُتب عام 1941 بعد الإجتياح الألماني، يقول فيه: «بالحربة قطعتم أفضل ثلث من أرضنا…
نحن نعرف تمامًا لماذا نموت:
نستعيد أرضنا منكم،
أما أنتم فستموتون من أجل خبزٍ مسروق».

ويستخدم المقال هذا البعد الأدبي لتأكيد أن الحرب ضد ألمانيا النازية لم تُختزن في الذاكرة الروسية بإعتبارها مواجهة عسكرية فحسب، بل بوصفها معركة وجود وهوية وأرض وموارد.

كما يتوسع كوليروف في الربط بين المشاريع الغربية المختلفة عبر العقود. فبعد الحديث عن المشروع النازي، ينتقل إلى الحرب الباردة، مستشهدًا بقرار الكونغرس الأميركي عام 1959 المعروف باسم «أسبوع الشعوب الأسيرة»، الذي تضمّن إشارات إلى شعوب وأقاليم أعتُبرت خاضعة للسيطرة السوفياتية، بما فيها أوكرانيا والقوقاز وتركستان وكيانات أخرى مثل «إيديل ـ أورال» و«كازاكيا». ويرى الكاتب في ذلك إمتدادًا لفكرة تقليص المجال الروسي أو تفكيكه جيوسياسيًا، وإن إختلفت الأدوات والخطابات بين حقبة وأخرى.

وفي العمق، يصعب فهم كثير من الكتابات الروسية المعاصرة حول أوكرانيا أو توسع الغرب شرقًا من دون التوقف عند الأثر التاريخي العميق لفكرة Drang nach Osten أي "الزحف نحو الشرق" في الوعي الروسي الجمعي. فهذا الإرث لا يظهر في روسيا بإعتباره مجرد مصطلح تاريخي، بل كإختصار لذاكرة طويلة من الغزوات القادمة من الغرب، من نابليون بونابرت إلى هتلر. ولهذا غالبًا ما يُقرأ أي تمدد عسكري أو سياسي غربي بإتجاه الحدود الروسية داخل هذا السياق التاريخي، سواء في الخطاب الرسمي أو في المزاج الشعبي العام.

ومن خلال هذا البناء السردي، يبدو مقال كوليروف أقرب إلى محاولة تفسير الطريقة التي تنظر بها قطاعات من النخبة الفكرية الروسية إلى التاريخ الأوروبي الحديث وإلى الأزمة الأوكرانية الحالية. فالحرب، وفق هذا التصور، لا تُفهم بإعتبارها حدثًا منفصلًا عن الماضي، بل إمتدادًا لمسار طويل من التنافس على النفوذ والحدود وموازين القوة في شرق أوروبا.

ولهذا تبرز أهمية النص ليس فقط في المعلومات والوثائق التي يستعرضها، بل أيضًا في كونه يكشف جانبًا من الذهنية الجيوسياسية الروسية المعاصرة، وطريقة فهمها للعلاقة مع الغرب، ولموقع أوكرانيا داخل هذا التصور التاريخي والإستراتيجي المعقّد. فالمقال، بلغته التاريخية المكثفة، يقدّم للقارئ نافذة لفهم كيف يُعاد تفسير الماضي داخل الخطاب الروسي الراهن، وكيف تتحول الذاكرة التاريخية إلى عنصر حاضر بقوة في قراءة السياسة والحرب والأمن القومي في أوروبا الشرقية اليوم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحرس الثوري الإيراني يعلن ضرب أهداف عسكرية أمريكية في البحر


.. ترامب يدرس وقفا مؤقتا للضربات ضد إيران.. تسوية مستدامة أم هد




.. نافذة من لبنان | انتشار الجيش في زوطر الغربية وسط تحذيرات من


.. سوريا تحبط تهريب 220 قنبلة عبر منفذ جديدة يابوس الحدودي




.. نشرة إخبارية | أخطر أيام هرمز.. حصار أميركي يخنق شريان إيران