الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين تتحوّل المساواة إلى تهمة تأملات في الجرح الكوردي داخل جمهورية الخوف

بوتان زيباري

2026 / 5 / 13
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير


ثمة أوطان تُبنى بالحجارة، وأوطان تُبنى بالعدالة. وحين تغيب العدالة، تتحول الخرائط إلى مجرد جدران مرتجفة تخاف من أصوات سكانها أكثر مما تخاف من أعدائها. هكذا تبدو المسألة الكوردية في تركيا، لا كصراع حدود، بل كأزمة ضمير طويل يرفض أن ينظر إلى المرآة. فالدولة التي تطلب من الكوردي أن يموت دفاعًا عنها، لكنها ترتبك حين يطلب أن يتكلم بلغته، ليست دولة تخشى الانقسام بقدر ما تخشى الحقيقة نفسها.
القضية هنا ليست قضية لغة فحسب، ولا تعليم، ولا مادة دستورية جامدة. المسألة أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق بفكرة الإنسان داخل الدولة، بمن يملك تعريف الوطن، ومن يُسمح له أن يكون نفسه دون إذن من الأكثرية. حين يُجبر شعب كامل على ارتداء اسم لا يشبهه، وعلى الصمت كي يبدو “منسجمًا” مع الهوية الرسمية، فإننا لا نكون أمام وحدة وطنية، بل أمام هندسة نفسية قاسية تُراد لها أن تُنتج مواطنًا منزوع الذاكرة.
الكوردي في هذه المعادلة ليس غريبًا جاء من وراء الجبال، بل ابن الأرض ذاتها، ابن الحقول التي روتها دماؤه مثلما روتها دماء غيره. لكنه يُطلب منه دائمًا أن يثبت ولاءه أكثر من الآخرين، وأن يدفع ثمن انتمائه مرتين، مرة بالضرائب والخدمة العسكرية، ومرة بالتخلي عن لغته واسمه وحقه في الظهور الطبيعي داخل المجال العام. هنا تبدأ المأساة الأخلاقية للدولة الحديثة حين تتحول المواطنة إلى عقد واجبات بلا كرامة متبادلة.
المفارقة الأكثر قسوة أن السلطة لا تسأل نفسها يومًا: لماذا يخاف الكوردي من الذوبان بينما يخاف التركي من التقسيم؟ لأن الخوفين لا يخرجان من المكان نفسه. الكوردي يخاف أن يُمحى، والتركي يخاف أن يفقد امتياز السيطرة. الأول يبحث عن اعتراف بوجوده، والثاني يخشى أن تتحول المساواة إلى نهاية احتكاره الرمزي للدولة. ولهذا تُقدَّم العدالة دائمًا باعتبارها تهديدًا، ويُصوَّر الاعتراف بالحقوق وكأنه تنازل كارثي لا استحقاق إنساني طبيعي.
في العمق، ليست البنادق هي التي صنعت الأزمة، بل الفكرة التي سبقتها. فكرة السيد الذي يريد من الآخر أن يعيش تحت سقفه دون أن يرفع رأسه. وحين تُبنى العلاقة بين شعبين على التفوق القومي لا على الشراكة، يصبح العنف نتيجة مؤجلة لا أكثر. فالرصاصة لا تولد في الجبل، بل تولد أولًا داخل العقل الذي يرفض الاعتراف بالمساواة. وكل خطاب يتحدث عن الأخوة بينما يمنع اللغة، يشبه يدًا تصافحك وأخرى تخنقك في الوقت نفسه.
المشكلة إذًا ليست مستحيلة الحل كما يُراد لها أن تبدو. إنها في غاية البساطة والعمق معًا. أن تعترف الدولة بأن الكوردي ليس ضيفًا، ولا خطرًا ديموغرافيًا، ولا ملفًا أمنيًا، بل شريك كامل في البلاد والتاريخ والمستقبل. عندها فقط سيتحول الخوف المتبادل إلى ثقة، وستفقد الأسئلة القديمة سمّها المزمن.
لكن المأساة الحقيقية أن كثيرين لا يريدون حلًا أصلًا، لأن الحل يعني التخلي عن وهم التفوق. والمجتمعات التي تتغذى طويلًا على فكرة الامتياز القومي، تجد صعوبة في تقبل المساواة حتى لو كانت الطريق الوحيدة للسلام. لذلك تبقى القضية الكوردية، في جوهرها العاري، امتحانًا أخلاقيًا قبل أن تكون أزمة سياسية. امتحانًا يسأل دولة كاملة: هل تستطيع أن ترى أبناءها متساوين أمام الله والتاريخ، أم أنها ما تزال تحتاج إلى تابع كي تشعر بأنها سيدة








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قراءة عسكرية.. الحصار البحري الأمريكي لإيران يدخل حيز التنفي


.. واشنطن تعلن نشر أكثر من 20 سفينة حربية أمريكية ومئات المقاتل




.. مليارات للاستيطان مقابل عقوبات.. تصعيد دولي يلاحق خطط إسرائي


.. الخارجية الإيرانية: سنمارس سيادتنا على مضيق هرمز مهما كلف ذل




.. خارج الصندوق | أول رد رسمي من -نجاد- بعد كشف محاولة تجنيد ال