الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بين موسكو وبكين: لماذا ترى النخبة الروسية أن الدولة تخسر معركة التحديث؟

زياد الزبيدي

2026 / 5 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


14 أيار مايو 2026


في خضم الحرب الطويلة، والعقوبات الغربية، والتوتر المتصاعد مع الغرب، لم تعد النقاشات الروسية الكبرى تدور فقط حول الجبهات العسكرية أو توازنات الردع النووي، بل حول سؤال أكثر خطورة:
من الذي يمنع روسيا من التحول إلى قوة صناعية وتكنولوجية مستقلة رغم إمتلاكها كل المقومات البشرية والجغرافية والعسكرية؟

هذا السؤال يقف في قلب المقال الصادم الذي نشره يوري بارانتشيك* تحت عنوان: «العصب الرئيسي للنقاشات السياسية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة: مقارنة إستراتيجيات روسيا والصين».

المقال لا يهاجم الغرب بقدر ما يهاجم البنية الداخلية التي تشكلت في روسيا بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي.
بل إن بارانتشيك يذهب إلى أبعد من ذلك: يعتبر أن الأزمة الروسية الحالية ليست أزمة موارد ولا أزمة قدرات، وإنما أزمة طبقة حاكمة كاملة تشكلت بطريقة تمنع أي تحديث حقيقي.

روسيا التي إنتصرت فيها طبقة الريع لا طبقة الإنتاج

يرى الكاتب أن اللحظة المفصلية كانت في تسعينيات القرن الماضي، عندما إنتقلت السلطة الإقتصادية إلى مجموعات مالية ومواد خام لم تبنِ ثروتها عبر الصناعة أو التكنولوجيا أو الإنتاج، بل عبر «الإستحواذ على الملكية السوفياتية الجاهزة».
ويكتب بوضوح لافت: «هؤلاء تعلموا شيئًا واحدًا فقط: الإستحواذ، التقاسم، حماية النفوذ… لكنهم لم يتعلموا بناء شيء جديد من الصفر».
في نظر بارانتشيك، فإن النخبة التي خرجت من فوضى التسعينيات لم تكن برجوازية صناعية وطنية، بل «برجوازية كومبرادورية ــ ريعية» مرتبطة موضوعيًا بالإقتصاد الغربي، حتى وهي ترفع شعارات المواجهة مع الغرب.

ويعتبر أن هذا النموذج جعل روسيا تعتمد على بيع المواد الخام وإستيراد كل شيء تقريبًا: التكنولوجيا، الآلات، الأنظمة الرقمية، وحتى أنماط الإستهلاك والإدارة.
ويضيف الكاتب بلهجة شديدة القسوة: «هذه الطبقة تُبقي روسيا في موقع المستعمرة الإقتصادية للدول الأكثر تطورًا، لأنها تستمد ثروتها ونمط حياتها وحتى تصوراتها السياسية من الخارج».

لماذا تخاف النخب من التصنيع؟

الجزء الأخطر في المقال ليس الإقتصادي، بل السياسي.

فبارانتشيك يعتقد أن التحديث الصناعي الحقيقي يمثل تهديدًا وجوديًا للنخب المسيطرة نفسها، لأن أي نهضة تكنولوجية ستؤدي تلقائيًا إلى ظهور قوى إجتماعية جديدة: مهندسين، صناعيين، تكنوقراط، مديري إنتاج، وشبكات معرفة مستقلة.

وهنا تكمن المشكلة، بحسب الكاتب: «أي تحديث حقيقي يفتح الباب أمام تدوير النخب، ولذلك يُنظر إليه كخطر سياسي».
بمعنى آخر، فإن جزءًا من البيروقراطية المالية والريعية ــ وفق هذا الطرح ــ لا يخشى التخلف بقدر ما يخشى فقدان السيطرة.

ولهذا يرى الكاتب أن الدولة الروسية ظلت لسنوات طويلة تفضّل إستيراد التكنولوجيا بدل تصنيعها، لأن الإستيراد أكثر أمانًا سياسيًا من بناء طبقات إنتاج مستقلة.

“ميسترال” لم تكن صفقة… بل إنذارًا تاريخيًا

يستخدم المقال أزمة حاملات المروحيات الفرنسية ميسترال بوصفها لحظة رمزية كاشفة.
فحين إضطرت موسكو إلى شراء تكنولوجيا عسكرية إستراتيجية من الخارج، كان ذلك ــ بالنسبة لبارانتشيك ــ دليلًا على عمق الأزمة البنيوية التي أصابت الصناعة الروسية بعد عقود من هيمنة الإقتصاد الريعي.
ويقول إن الرسالة كانت واضحة: «التأخر في التحديث يتحول مباشرة إلى تهديد للأمن القومي».
لكن الكاتب يعتقد أن النخب الروسية لم تتعامل مع هذه الإشارة بإعتبارها دعوة إلى ثورة صناعية، بل بإعتبارها مشكلة يمكن الإلتفاف عليها مؤقتًا.

الصين: الحزب الذي أخضع رأس المال

في المقابل، يقدم المقال الصين بوصفها النموذج المعاكس تمامًا.
فبكين ــ بحسب الكاتب ــ سمحت بظهور رأس المال، لكنها لم تسمح له بالسيطرة على الدولة.
السلطة بقيت في يد الحزب الشيوعي الصيني، بينما جرى إخضاع رجال الأعمال لأولويات المشروع القومي.
ويشير بارانتشيك إلى أن الدولة الصينية لم تفرّط بالصناعات الإستراتيجية، ولم تبع الملكية العامة في مزادات فوضوية، بل إستخدمت السوق كأداة لبناء القوة لا كآلية لتفكيك الدولة.
وفي واحدة من أهم أفكار المقال، يقول: «الرأسمالي الصناعي في الصين يحتاج إلى التكنولوجيا كي يبقى حيًا… أما الرأسمالي الريعي فيخاف منها لأنها قد تستبدله».
ومن هنا يفسر الكاتب لماذا تحولت الإهانات الجيوسياسية التي تعرضت لها بكين ــ من أزمة مضيق تايوان إلى قصف السفارة الصينية في بلغراد عام 1999 ــ إلى محركات هائلة للتحديث العسكري والتكنولوجي.
فبدل الإرتهان للغرب، أطلقت الصين سباقًا محمومًا لبناء قدراتها الذاتية:
تكنوباركات، صناديق إستثمار، تصنيع متقدم، ذكاء إصطناعي، وتحديث عسكري شامل.
ويصف بارانتشيك عقلية القيادة الصينية بعبارة لافتة: «لم تكن لديها غريزة القمع… بل غريزة اللحاق والتجاوز».


الحرب الأوكرانية تكشف الأزمة الحقيقية

في رأي الكاتب، فإن الحرب المستمرة منذ سنوات لم تخلق الأزمة الروسية، بل كشفتها فقط.
فالمواجهة مع الغرب أظهرت حدود الإقتصاد القائم على المواد الخام والتمويل والخدمات، وأعادت طرح السؤال القديم: هل تمتلك روسيا قاعدة إنتاجية وتكنولوجية قادرة على خوض صراع طويل مع كتلة صناعية غربية ضخمة؟

هنا يصبح المقال أكثر راديكالية، إذ يقول بارانتشيك إن جزءًا من النخبة الروسية: «يخشى خسارة السلطة أكثر من خوفه من خسارة الحرب».

ويعتبر أن ما يسميه «منطق الطبقة الريعية» يدفع نحو: خنق المبادرات المستقلة، منع تشكل شبكات مجتمعية أفقية، السيطرة على الإتصالات والمجال العام، ومحاصرة أي قوى قد تنتج نخبًا جديدة خارج المنظومة التقليدية.
بل إن الكاتب يلمّح إلى أن بعض دوائر النفوذ تتعامل مع التحديث نفسه بإعتباره تهديدًا داخليًا أخطر من العقوبات الغربية.

هل يتكرر سيناريو 1917؟

ءأكثر فقرات المقال سوداوية هي تلك التي يستحضر فيها إنهيار الإمبراطورية الروسية عام 1917 ثم إنهيار الإتحاد السوفياتي بين 1989 و1991.
بارانتشيك يلمّح بوضوح إلى أن النخب الريعية قد تدفع الدولة مرة أخرى نحو التفكك إذا شعرت بأن مشروع التحديث يهدد إمتيازاتها.
ويحذر من أن التاريخ الروسي يُظهر نمطًا متكررًا: حرب طويلة، إقتصاد متعب، صراع داخل النخب، ثم إنهيار سياسي مفاجئ.
ولهذا يدعو إلى إجراءات جذرية تشمل: فرض رقابة صارمة على تدفقات الثروة، إستعادة جزء من الأرباح الفائضة للأوليغارشية المالية والمواد الخام، تعزيز العدالة الضريبية، وإعادة توجيه الإقتصاد نحو الصناعة والإنتاج العسكري والتكنولوجي.

بوتين ومعركة إعادة تشكيل الدولة

ورغم حدة النص، فإن بارانتشيك لا يضع فلاديمير بوتين في خانة واحدة مع النخب الريعية بالكامل.

بل يقدم صورة أكثر تعقيدًا:
رئيس يحاول ــ وفق هذا التصور ــ دفع الدولة نحو تعبئة صناعية وسياسية جديدة، لكنه يصطدم داخل مؤسسات الدولة نفسها بقوى مالية وإقتصادية ضخمة تخشى أي تغيير جذري.
ومن هنا تصبح المعركة الحقيقية، في نظر الكاتب، ليست فقط ضد الغرب، بل داخل روسيا نفسها: بين نموذج يريد تحويل البلاد إلى قوة إنتاج وتكنولوجيا وسيادة صناعية، ونموذج آخر يريد الإبقاء على إقتصاد الريع والمواد الخام مهما كانت الكلفة التاريخية.
وفي النهاية، فإن المقال لا يقدّم مجرد مقارنة بين روسيا والصين، بل يقدّم إتهامًا مباشرًا للبنية التي حكمت روسيا منذ التسعينيات:
إتهامًا يقول إن الدولة التي تمتلك السلاح النووي والموارد الهائلة قد تخسر معركة المستقبل، ليس بسبب ضعفها، بل بسبب طبيعة الطبقة التي تدير ثروتها وقوتها.

*****

يوري بارانتشيك
هو محلل سياسي روسي متخصص في الشؤون الجيوسياسية والإستراتيجية، يكتب في قضايا الإقتصاد السياسي الروسي والتحولات الدولية وموقع روسيا في النظام العالمي.
يشغل منصب نائب مدير في معهد RUSSTRAT، وهو مركز أبحاث أسسته وتترأسه السياسية والإقتصادية الروسية يلينا بانينا، ما يضعه ضمن بيئة بحثية قريبة من دوائر التفكير الإستراتيجي المرتبطة بالسياسات الروسية المعاصرة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أوكرانيا تغير قواعد الحرب.. هل بدأت معركة استنزاف روسيا؟ | #


.. رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي السابق: الدبلوماسية القطرية أسه




.. منصف المرزوقي: الأمير الوالد كان نعمة على قطر وشعبها وقدوة و


.. انفجارات تهز بندر عباس وقشم.. وقصف زوارق الحرس في هرمز




.. ساعة حوار | أميركا تواجه خيارات صعبة في هرمز بين الحرب والعق