الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إنقاذ العاني بوصفه استعادة للمعنى لا للشخص

إسماعيل نوري الربيعي

2026 / 5 / 14
قضايا ثقافية


ومن شأن النظر في أحوال العمران وأهله، إذا أراد المرء أن يستبين طبائع الناس في مواطن العلم والفضل، أن يقف عند نماذج تخرج عن المألوف في السلوك والمعرفة، فتدل دلالة ظاهرة على أن العلم إذا اقترن بالخلق، والفضل إذا اجتمع مع التواضع، نشأ في الناس معنى جديد من معاني العمران، به تستقيم أحوالهم، وتعتدل به موازينهم في الحكم على الرجال. وليس المقصود من هذا المقال مدح الأعيان على جهة التزكية المطلقة، فإن ذلك من شأن أهل المجاملة، وإنما المقصود هو اعتبار حال رجل من أهل العلم في بلد من بلاد العراق، ممن اشتهر بالمعرفة، وامتاز بالخلق، فصار مثالا يلتفت إليه في فهم العلاقة بين العلم والاجتماع. ومن هذا الباب نذكر حال الأستاذ الدكتور إنقاذ العاني، وهو من أهل الأدب الأندلسي في جامعة الأنبار، ممن جمع بين التحصيل العلمي الراسخ، والاشتغال بالتعليم والبحث، وبين السلوك الاجتماعي الذي يندر وجوده في كثير من أهل العلم في هذا العصر. فإنك إذا نظرت في أحوال العلماء في الأعصار المتأخرة، وجدت أن العلم قد يكثر، ولكن أثره في السلوك يقل، وأن المعرفة قد تتسع، ولكن أثرها في تهذيب النفس يضعف، حتى يصير العالم في جهة، وسيرته في جهة أخرى. غير أن بعض الأفراد يجتمع فيهم الأمران، فيكونون أقرب إلى ما كان عليه السلف من اجتماع العلم والعمل. ولقد جرت عادة أهل العمران أن يتفاوتوا في مراتب القبول، بحسب ما فيهم من خصال العصبية الاجتماعية، وما يكتسبونه من مكانة في نفوس الناس. وليس المراد بالعصبية هنا معناها السياسي فحسب، بل هي كل ما يجمع الناس على المحبة والتقدير، من خلق حسن، أو علم نافع، أو مشاركة في مصالح الناس. فإذا اجتمع في رجل علم راسخ، وخلق كريم، وميل إلى خدمة الناس، نشأت له عصبية من نوع خاص، هي عصبية القبول والمحبة، لا عصبية القهر والغلبة.
وقد اشتهر الأستاذ الدكتور إنقاذ العاني بين أهل مدينته الرمادي، وبين زملائه وطلبته، بأنه من أهل الوقار، لا يخرج عن حدود الأدب في القول والفعل، ولا يتجاوز في حكمه على الناس حد الإنصاف. وهذه خصلة إذا وجدت في أهل العلم كانت دليلا على رسوخهم في الفهم، لأن العلم إذا لم يثمر عدلا في الحكم، كان علما ناقصا، وربما انقلب إلى وسيلة للترف الفكري أو الاستعلاء الاجتماعي. ومن تأمل في أحوال الناس وجد أن العالم إذا كان متواضعا، صار علمه أحب إلى القلوب، وإذا كان متكبرا، صار علمه أبعد عن النفوس. وذلك أن النفوس مجبولة على النفور من الاستعلاء، وعلى الميل إلى من يخاطبها بما يشبهها من التواضع واللين. ولهذا كان العلماء الذين يخالطون الناس، ويشاركونهم في همومهم، أقرب إلى التأثير فيهم من أولئك الذين يعزلون أنفسهم في أبراج العلم المجرد. ولقد عرف عن هذا الرجل أنه لم يكن من أهل الانكفاء على الذات، بل كان مشاركا في محيطه الاجتماعي، حاضرا في شؤون الناس، غير متعال عليهم، ولا متكبر بما آتاه الله من علم. وهذه الصفة في عالم من العلماء تدل على أن العلم لم يتحول عنده إلى وسيلة للانفصال عن المجتمع، بل بقي أداة للاتصال به، وإصلاح أحواله، وتخفيف ما فيه من اضطراب.
وإذا نظرنا في طبيعة التعليم في الجامعات، وجدنا أن العلاقة بين الأستاذ والطالب قد تتحول أحيانا إلى علاقة جافة، يغلب عليها الطابع الرسمي، غير أن وجود نماذج من الأساتذة الذين يجمعون بين الصرامة العلمية والرحمة الإنسانية، يعيد التوازن إلى هذه العلاقة، ويجعل من المؤسسة التعليمية بيئة لإنتاج الإنسان قبل أن تكون مكانا لإنتاج المعرفة. وهذا ما يصدق في حال الأستاذ الدكتور إنقاذ العاني، حيث عرف عنه الجمع بين الدقة في العلم، واللين في التعامل. ومن الأمور التي ينبغي التنبه لها في هذا المقام، أن العلم إذا انفصل عن الأخلاق، صار وسيلة خطرة، لأن المعرفة حينئذ لا تضبطها قيم، ولا تحكمها مقاصد. أما إذا اقترنت بالأخلاق، فإنها تتحول إلى قوة بناء في المجتمع. ولقد كان هذا الرجل ممن لم يجعل علمه وسيلة للتمييز الطبقي أو الاجتماعي، بل كان ينظر إلى الناس على أنهم سواء في الإنسانية، وإن تفاوتوا في الأحوال والمعارف. ومن عادة أهل العلم أن يختلفوا في الرأي، وهذا الاختلاف سنة من سنن المعرفة، غير أن المهم هو كيفية إدارة هذا الاختلاف. فقد عرف عن هذا الأستاذ أنه كان شديدا في الدفاع عن رأيه العلمي إذا ثبت عنده بالدليل، ولكنه في الوقت نفسه لا يخرج في ذلك عن حدود الأدب، ولا يجعل من الخلاف العلمي خصومة شخصية. وهذه خصلة قلما تجتمع في أهل الجدال العلمي، لأنها تحتاج إلى توازن دقيق بين قوة الحجة وتهذيب النفس.
وإذا انتقلنا إلى النظر في أثره في طلبته، وجدنا أن التأثير الحقيقي للعالم لا يقاس بعدد ما يدرسه من المواد، بل يقاس بما يتركه في نفوس تلامذته من أثر أخلاقي ومعرفي. فكثير من العلماء يدرسون، ولكن قليل منهم يتركون أثرا في السلوك. وقد عرف عن هذا الرجل أنه كان يحرص على أن يربي طلبته على الدقة في البحث، وعلى احترام العلم، وعلى التواضع في طلب المعرفة. ومن المعلوم عند أهل النظر أن المدن والعمران لا تقوم بالعلم وحده، بل تحتاج إلى رجال يجمعون بين العلم والعمل، وبين الفهم والسلوك. فإذا وجد في مدينة ما مثل هذه النماذج، فإنها تكون أقرب إلى الاستقرار الفكري والاجتماعي. ولعل في مدينة الرمادي من هذه النماذج ما يدل على أن العلم فيها لم ينقطع، وأن فيها رجالا يواصلون بناء المعرفة رغم ما يحيط بهم من ظروف. وليس المقصود من هذا القول المبالغة في الثناء، بل هو نوع من الاعتبار الذي يدعو إليه النظر في أحوال الناس. فإن من لا يشكر الناس لا يشكر الله، كما ورد في المعنى العام للآداب. غير أن الشكر هنا ليس مجرد لفظ، بل هو إقرار بالفضل في موضعه، واعتراف بأن بعض الناس يقومون بأدوار اجتماعية ومعرفية تستحق التقدير. ومن خصال هذا الرجل أيضا أنه كان معروفا بالاستقامة في المبادئ، فلا يتغير موقفه العلمي بحسب المصالح العارضة، بل يثبت على ما يراه حقا بعد النظر والبحث. وهذه خصلة تدل على استقلالية في التفكير، وهي من أهم ما يحتاجه العلماء في كل عصر، لأن التبعية الفكرية تضعف قيمة العلم، وتجعل صاحبه تابعا لا مؤثرا.
وإذا تأملنا في العلاقة بين العلم والمجتمع، وجدنا أن العالم الحقيقي هو الذي يربط بين المعرفة والواقع، فلا يجعل العلم مجرد نظريات، بل يحوله إلى فهم للناس ومشكلاتهم. وهذا ما يميز بعض العلماء الذين يخرجون من دائرة التنظير إلى دائرة التأثير الاجتماعي، فيصبحون جزءا من حياة الناس اليومية، لا مجرد أسماء في الكتب. ولقد كان لهذا الأستاذ حضور في محيطه العلمي والاجتماعي، لا من جهة الشهرة فحسب، بل من جهة الأثر الذي يتركه فيمن حوله. فإن الإنسان إذا اجتمع فيه العلم والخلق، صار حضوره مؤثرا ولو لم يسع إلى ذلك. وهذه من سنن الاجتماع الإنساني التي لا تحتاج إلى تكلف، بل تنشأ من طبيعة الشخصية واستقامتها. ومن العجيب في أحوال الناس أن بعضهم يفرض الاحترام على الآخرين بسلطته، وبعضهم يكتسبه بعلمه، وبعضهم بخلقه. وأما من يجمع بين هذه الصفات، فإن احترامه يكون طبيعيا غير متكلف. وهذا ما يظهر في حال بعض العلماء الذين يلتف الناس حولهم من غير طلب منهم، وإنما لما يرون فيهم من صدق واستقامة. والخلاصة، فإن النظر في حال هذا الأستاذ إنما هو مثال على أن العلم في جوهره ليس مجرد تراكم معرفي، بل هو بناء للإنسان قبل أن يكون بناء للمعلومات. فإذا وجد عالم يجمع بين العلم والخلق، وبين الصرامة والتواضع، وبين الدقة والرحمة، فإنه يكون من علامات الخير في المجتمع، ودليلا على أن العلم لا يزال يؤدي وظيفته في إصلاح العمران، وتوجيه الناس نحو ما فيه صلاحهم في دنياهم ومعاشهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لماذا يراهن ترامب على فوز حزب البديل من أجل ألمانيا الشعبوي؟


.. لماذا تختلف تحركات إسرائيل الأخيرة في جنوب لبنان؟ تحليل عسكر




.. المقابلة - سر استمرار الحشود المؤيدة لفلسطين في بريطانيا


.. ما أولوية الحكومة اليمنية في جبهاتها مع الحوثي؟




.. نافذة من لبنان | تصعيد إسرائيلي جوي بالجنوب وجزين ينسخ جهود