الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ستارمر بين تصدعات وستمنستر ومياه هرمز: مناورة جيوسياسية أم استراتيجية ردع؟
جهاد حمدان
أكاديمي وباحث وناشط سياسي
(Jihad Hamdan)
2026 / 5 / 14
مواضيع وابحاث سياسية
في خضم أزمة سياسية طاحنة تضرب أروقة صنع القرار في لندن منذ أيام، يبرز التحرك العسكري البريطاني الأخير نحو مضيق هرمز كحدث مركب تتداخل فيه دوافع البقاء السياسي الداخلي مع حسابات الأمن القومي. فإرسال المدمرة "دراغون" ومقاتلات "تايفون" لقيادة قوة بحرية دولية، يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة هذا التحرك: هل هو ضرورة استراتيجية منسقة مع واشنطن لردع المخاطر الإقليمية، أم أنه مجرد "هروب إلى الأمام" لرئيس وزراء تتهاوى قاعدته في الداخل؟
زلزال أيار الانتخابي: انهيار جدار العمال وصعود "الإصلاح"
لا يمكن قراءة الاندفاعة البريطانية نحو مياه الخليج الدافئة بمعزل عن المشهد القاتم الذي يخيم على حكومة كير ستارمر، والذي تجلى بوضوح في نتائج الانتخابات البلدية مطلع أيار. لم يكن التراجع العمالي مجرد كبوة سياسية عابرة، بل تُرجم إلى "زلزال انتخابي" كلف الحزب خسارة فادحة تجاوزت 1,100 مقعد محلي، وأفقده السيطرة الكاملة على 28 مجلساً بلدياً كانت تُعد من حصونه التقليدية.
ما يجعل هذه الخسارة ذات دلالة مرعبة لقيادة حزب العمال، هو أنّ أصوات الناخبين الغاضبين لم تتجه نحو المعارضة المحافظة التقليدية، بل أحدثت اختراقاً تاريخياً لصالح حزب "الإصلاح" (Reform UK) بقيادة نايجل فاراج. لقد نجح هذا الحزب اليميني في حصد مكاسب هيكلية غير مسبوقة مكنته من انتزاع السيطرة على 10 مجالس بلدية حيوية، شملت مناطق ذات رمزية ثقيلة مثل سندرلاند، ومناطق استراتيجية كبرى مثل إيسيكس. إنّ هذا الصعود الكاسح لخطاب "الإصلاح"، الذي يرتكز على مفاهيم السيادة، وضبط الحدود، والصرامة في الأمن القومي، قد وضع ستارمر أمام ضغط شعبي كاسح، وأثبت أنّ الخارطة السياسية البريطانية تشهد إعادة تشكيل جذرية تهدد مستقبل حكومة العمال برمتها.
نزيف وستمنستر: تمرد النواب واستقالات الوزراء
لقد تبع هذا التآكل الانتخابي فوراً انهيار سريع في الجبهة الحكومية، تجلى في استقالات متتالية لوزراء دولة وشخصيات وازنة مثل مياتا فانبوله (وزيرة الدولة للإسكان)، وجيس فيليبس (وزيرة الحماية والأمن، التي انتقدت صراحة افتقار القيادة للجرأة والمبادرة)، وأليكس ديفيز-جونز، إلى جانب مسؤولين في قطاعات حساسة كالصحة مثل زبير أحمد.
ترافق هذا النزيف الوزاري مع تمرد برلماني مكشوف؛ حيث وقّع أكثر من 90 نائباً عمالياً على مطالب علنية تدعو ستارمر إما للتنحي أو وضع جدول زمني واضح لرحيله. في ظل هذا الحصار الشامل، واصطدام القيادة بحائط مسدود داخلياً، بدا ستارمر في أمس الحاجة إلى حدث خارجي ضخم يكسر هذه العزلة ويطغى على العناوين السلبية في الصحافة المحلية.
التنسيق العابر للأطلسي: تقاسم أدوار أم قيادة منفردة؟
على الصعيد العملياتي، تدرك الدوائر العسكرية أنه لا يمكن لبريطانيا الانخراط في استعراض قوة بهذا الحجم في مضيق هرمز دون تنسيق شامل وعميق مع الولايات المتحدة. فالعقيدة العسكرية الغربية في الخليج تعتمد على التكامل الراداري والاستخباراتي، ويأتي الوجود البريطاني ليُكمل مظلة الردع التي تديرها واشنطن. إنّ محاولة لندن إبراز دورها كـ "قائد" للتحالف البحري هو في جوهره مطلب سياسي يخدم أجندة ستارمر لإظهار الاستقلالية واستعادة هيبة الدولة، لكنه يندرج واقعياً ضمن هندسة أمنية أمريكية أوسع تهدف إلى تأمين الملاحة دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
الخليج ومعادلة الردع: هل يتغير الوضع القائم؟
إقليمياً، من غير المرجح أن يُحدث هذا الانتشار البريطاني تغييراً استراتيجياً جذرياً في الدينامية الأمنية لمضيق هرمز. فالوجود العسكري الإضافي يعزز ما يُعرف بـ "الردع التكتيكي"؛ ويرفع تكلفة أي تهديد لحركة الملاحة التجارية، ويوفر طمأنة ضرورية لشركات الشحن العالمية وأسواق الطاقة. لكنه في الوقت ذاته، يزيد من عسكرة هذا الممر المائي المكتظ، مما يُبقي احتمالات الاحتكاك وسوء التقدير (Miscalculation) واردة بقوة. وتدرك القوى الإقليمية تماماً أنّ هذه التحركات الغربية تهدف إلى "إدارة الأزمة" والحفاظ على الوضع القائم، لا تفجيره.
خلاصة
يبدو التحرك البريطاني في مضيق هرمز أقرب إلى "مسكن سياسي" مؤقت لأزمة حكومية مزمنة، أكثر من كونه نقطة تحول جيوسياسية في الشرق الأوسط. قد تنجح دماء الدبلوماسية العسكرية وطلعات مقاتلات "التايفون" في تشتيت الانتباه الإعلامي في لندن لبعض الوقت خلال شهر أيار، لكنها لن تعالج التصدعات العميقة التي أحدثها زلزال حزب "الإصلاح"، ولن تغير من حقيقة أنّ المعارك المصيرية لكير ستارمر لا تُحسم في مياه الخليج الدافئة، بل في صناديق اقتراع وستمنستر الباردة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لماذا بدأت الولايات المتحدة بضرب بندر عباس؟
.. أوتاوا الكندية تعلن حاجتها لنصف مليون مهاجر في العامين المقب
.. هجمات متبادلة بين موسكو وكييف وتوتر دبلوماسي روسي أوروبي
.. كوبا.. تواصل الانقطاع الواسع للكهرباء وخدمات الاتصال وشركة ا
.. هل تتجه الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مع إيران؟