الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


العراق من سيكولوجيا المظلومية إلى صراع الهويات ثم تقاطع المشاريع في المنطقة

مهند المدني
سياسي ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)

2026 / 5 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


منذ أكثر من عقدين، يخضع العقل السياسي الجمعي في العراق تحت وطأة تحولات بنيوية عميقة لم تكن مجرد انتقال من نظام شمولي إلى نظام تعددي، بل كانت رحلة تيه بين (سيكولوجيا المظلومية) التي أسست للمرحلة الحالية ، و(صراع الهويات) الذي استنزف الدولة، وصولاً إلى الواقع الراهن حيث باتت الجغرافيا العراقية (ساحة لتقاطع مشاريع إقليمية ودولية كبرى ترسم ملامح المستقبل).
1/ فخ المظلومية: من المظلمة التاريخية إلى المحاصصة السلطوية.
انطلقت المرحلة الجديدة في العراق عام 2003 مرتكزة على إرث ثقيل من (المظلومية)التي نادت بها القوى والمجتمعات الشيعية والكردية. فكانت هذه المظلومية في البدء محركاً للتحرر، لكنها سرعان ما تحولت إلى أداة حكم. فبدلاً من بناء دولة المؤسسات التي تُنصف المظلوم عبر القانون والمواطنة، تمت (شخصنة المظلمة) وتحويلها إلى حصص ومكاسب فئوية. لقد أدت سيكولوجيا المظلومية إلى انقسام المجتمع بين من يرى نفسه ضحية تاريخية يريد استعادة حقه، ومن يرى نفسه متهماً يرغب في الدفاع عن وجوده، مما عطل ولادة (الهوية الوطنية الجامعة) لصالح كانتونات طائفية وقومية.
2/صراع الهويات: عندما تبتلع الطائفة مفهوم الدولة.
كان من الطبيعي أن يؤدي الانكفاء خلف المظلوميات الفرعية إلى بروز صراع الهويات ، فأنتقل العراق من صراع سياسي حول (شكل الدولة إلى صراع وجودي حول هوية الدولة). تحولت الهويات الفرعية من تنوع ثقافي غني إلى مجموعات سياسية متناحرة، حيث أصبح الولاء للمكون يسبق الولاء للوطن. هذا الصراع لم يكن عقائدياً في جوهره، بل كان صراعاً براغماتياً على الموارد والنفوذ، تديره نخب سياسية وجدت في تقديم وترسيخ الهويات الفرعية وسيلة مثالية للحفاظ على السلطة، مما جعل الدولة هيكلاً فارغاً تتنازعه الإرادات المكوناتية وتغيب عنه الكفاءة والمعايير الوطنية.
3/تقاطع المشاريع: العراق في عين العاصفة الدولية.
لم يظل الصراع محبوساً داخل الأسوار المحلية، بل تحول العراق إلى ساحة عرض لمشاريع كبرى، لكل منها أدواته وأهدافه الاستراتيجية:
المشروع الأمريكي (الواقعية النفعية): يركز على ضبط الإيقاع الأمني ومنع الانهيار الشامل، مع تحول لافت في عهد (ترامب) نحو (دبلوماسية الصفقات)التي تضع المصالح الاقتصادية المباشرة وأمن الطاقة فوق الاعتبارات الأيديولوجية.
المشروع الإيراني (العمق الاستراتيجي): يرى في العراق رئة اقتصادية وحلقة وصل حيوية ضمن منظومة إقليمية متكاملة، ساعياً لتثبيت نفوذ بنيوي يضمن له التأثير في القرار السياسي والأمني العراقي بشكل مستدام بما يخدم سياسة واقتصاد والأمن القومي الايراني.
المشروع التركي (البوابة والتنمية): يرتكز على المصالح المشتركة في ملفات المياه والطاقة، ويطمح عبر مشروع (طريق التنمية) لربط الخليج بأوروبا، مع تأمين حدوده وضمان حصة وازنة في سوق الإعمار.
المشروع الصيني (الارتباط الصامت): يعتمد استراتيجية (القوة الناعمة) والاقتصاد الصرف، حيث يهدف لتحويل العراق إلى (محطة طاقة كبرى وسوق مستقرة ضمن رؤية الحزام والطريق) عبر سياسة الارتباط الهيكلي طويل الأمد.
المشروع العربي (العودة والتوازن): يبرز ك(مشروع استعادة) يهدف لإعادة العراق لعمقه الطبيعي عبر بوابة الاقتصاد. يرتكز هذا المشروع على الربط الكهربائي الخليجي ومبادرات التكامل الثلاثي (الشام الجديد)، لخلق توازن جيوسياسي يمنع ذوبان الدولة في محاور أحادية ويمنحها استقلالاً اقتصادياً أوسع.
على العراق أن ينتقل من سياسة الساحة إلى سياسة الدولة
ليخرج من عنق الزجاجة ويتطلب ذلك مغادرة (سيكولوجيا المظلومية) والعبور نحو (المواطنة الرقمية) ودولة المؤسسات، وإن تقاطع المشاريع الدولية فوق أرضنا يجب أن لايكون سبباً في تمزيقنا، بل فرصة لتعظيم (القيمة الجيوسياسية للعراق) عبر موازنة هذه المصالح بذكاء وبراغماتية.
والسؤال الكبير الذي يواجهنا اليوم: هل ينجح العراق في استثمار هذا التزاحم الدولي ليتحول من (ساحة لتصفية الحسابات)إلى (منصة للاستثمارات العالمية) تفرض سيادتها عبر التوازن؟
إن الحل يبدأ من الداخل، بتغليب منطق الدولة على منطق المكونات ، وبناء عقد اجتماعي جديد ينهي زمن الأوهام السياسية ويبدأ عصر الاستحقاق الوطني.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مفاوضات روما بين لبنان وإسرائيل.. هل تحسم أزمة الجنوب؟ | #را


.. الدفاعات الجوية الكويتية تتصدى لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة




.. الدمازين بين النزوح والعودة.. أكثر من 5 آلاف أسرة تغادر إلى


.. ترمب: تراجعت عن فرض الرسوم بمضيق هرمز بعد اتصالات من دول الم




.. تروى لأول مرة.. مواقف بين الأمير الوالد ونجوم الجزيرة