الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الإمارات: الدولة الوسيطة في عصر ما بعد الهيمنة الأحادية 8
بشرى الفكي
(Bushra Elfaki)
2026 / 5 / 15
مواضيع وابحاث سياسية
الإمارات كفاعل وسيط في بنية الهيمنة العالمية: بين الاندماج وإعادة إنتاج النفوذ
لا تعمل الهيمنة في العالم المعاصر عبر مركزٍ واحدٍ يفرض إرادته على الأطراف بشكل مباشر، كما في النماذج الإمبريالية الكلاسيكية، إنه يعمل عبر شبكة معقدة من الفاعلين والمؤسسات والوسائط التي تعيد إنتاج النظام بطرق غير مباشرة. وفي هذا السياق، لا يمكن فهم أدوار الدول الصاعدة من خلال ثنائية "تابع/مستقل"، وإنما من خلال موقعها داخل هذه الشبكة. ومن هنا، تبرز الإمارات العربية المتحدة بوصفها فاعلًا وسيطًا، لا يكتفي بالاندماج في بنية الهيمنة، بينما يشارك، بدرجات متفاوتة، في إعادة إنتاجها.
هذا الموقع الوسيط لا يعني امتلاك سلطة مطلقة، كما لا يعني الخضوع الكامل، إنه يشير إلى حالة مركّبة، حيث تتحرك الدولة ضمن حدود النظام العالمي، لكنها تستثمر هذه الحدود لتوسيع مجال نفوذها. فالإمارات ليست قوة مركزية تحدد قواعد النظام، لكنها أيضًا ليست طرفًا هامشيًا يُفرض عليه الدور دون قدرة على التعديل. إنها، بالأحرى، حلقة في سلسلة، لكنها حلقة نشطة، قادرة على التأثير في تدفق العلاقات داخل السلسلة نفسها.
لفهم هذا الموقع، من الضروري العودة إلى مفهوم الهيمنة كما طوّره أنطونيو غرامشي، حيث لا تُمارس السلطة فقط عبر القوة المباشرة، ولكن عبر إنتاج القبول، وبناء شبكات من المؤسسات والعلاقات التي تجعل النظام يبدو طبيعيًا ومشروعًا (Gramsci, 1971). في هذا الإطار، لا تكون الهيمنة مجرد فعل من الأعلى إلى الأسفل، بقدر ما تكون عملية متعددة المستويات، تتطلب فاعلين وسيطين يعيدون ترجمة منطقها داخل سياقات مختلفة.
الإمارات، في هذا المعنى، تمثل أحد هؤلاء الفاعلين. فهي مرتبطة بشبكات الأمن والاقتصاد العالمية، خاصة عبر علاقاتها الوثيقة مع القوى الغربية، لكنها في الوقت نفسه لا تكتفي بتلقي هذه الشبكات، إنها تسعى إلى توظيفها لإعادة تعريف موقعها. هذا التوظيف يظهر بوضوح في قدرتها على الجمع بين الانفتاح الاقتصادي الكامل، السيطرة السياسية الداخلية، والحضور الإقليمي النشط. وهذا التداخل ليس عرضيًا، إنه يعكس منطقًا أعمق من الاندماج كوسيلة للنفوذ، لا كحالة تبعية صامتة.
من الناحية الاقتصادية، تشكّل الإمارات نقطة عبور لرأس المال العالمي، حيث تتحول إلى مركز مالي وتجاري يربط بين مناطق مختلفة. هذا الدور لا يجعلها مجرد وسيط محايد، إنه يمنحها قدرة على التأثير في كيفية تدفق الموارد، وعلى إعادة توزيعها ضمن شبكات معقدة. وقد أشار جيوفاني أريغي إلى أن مراكز التراكم في الرأسمالية لا تكون دائمًا في الدول المهيمنة مباشرة، ولكنها قد تظهر في مواقع وسيطة تستفيد من حركة رأس المال (Arrighi, 1994).
لكن هذا الدور الاقتصادي لا يمكن فصله عن البعد السياسي والأمني. فالموقع الوسيط يتطلب بيئة مستقرة، وقدرة على إدارة العلاقات مع فاعلين مختلفين، من دول كبرى إلى شركاء إقليميين. وهنا، تتحول السياسة الخارجية إلى امتداد مباشر للاقتصاد، حيث تُستخدم التحالفات والشراكات لتأمين استمرارية النموذج. لا يكون الهدف فقط تحقيق النفوذ، وإنما ضمان أن تبقى الدولة جزءًا فاعلًا في الشبكة العالمية.
في هذا السياق، تكتسب العلاقات مع إسرائيل أهمية خاصة، كجزء من إعادة تشكيل البنية الإقليمية، وليس بوصفها حدثًا سياسيًا معزولًا. فالتطبيع لم يكن مجرد خطوة دبلوماسية، إنه يُعتبر إدماجًا في شبكة جديدة من التعاون الأمني والتكنولوجي والاقتصادي، تعكس تحولات أوسع في النظام العالمي. هذا الإدماج يعزز من موقع الإمارات كفاعل قادر على الربط بين مستويات مختلفة من القوة، من المحلي إلى العالمي.
لكن هذا الدور الوسيط لا يخلو من التناقضات. فكلما تعمق الاندماج في النظام العالمي، زادت القيود التي يفرضها هذا النظام. فالدولة التي تعتمد على تدفقات رأس المال، وعلى الاستقرار الإقليمي، وعلى تحالفات دولية، تجد نفسها مضطرة إلى التكيف مع تغيرات لا تتحكم فيها بالكامل. وهنا، يظهر الحد الأساسي للقوة الوسيطة، وهي القدرة على المناورة داخل النظام، دون القدرة على تغييره جذريًا.
وقد أشار إيمانويل والرشتاين إلى أن النظام العالمي يُعيد إنتاج نفسه عبر توزيع الأدوار بين المركز والأطراف والمواقع الوسيطة (Wallerstein, 2004). وفي هذا الإطار، لا يكون الصعود مجرد انتقال من موقع إلى آخر، إنه إعادة تموضع داخل بنية ثابتة نسبيًا. وهذا ما يجعل الدور الإماراتي مهمًا لفهم المرحلة الراهنة، فهو يعكس كيف يمكن لدولة أن تتحرك داخل النظام، وتستفيد منه، دون أن تخرج عن شروطه الأساسية.
من زاوية أخرى، يمكن قراءة هذا الدور ضمن مفهوم "شبه الإمبريالية"، حيث لا تمارس الدولة السيطرة المباشرة، لكنها تشارك في إعادة تشكيل الفضاءات الإقليمية عبر الاقتصاد والبنية التحتية والشراكات. هذا المفهوم لا يعني أن الإمارات تعيد إنتاج الإمبريالية الكلاسيكية، ولكنه يعني أنها تعمل ضمن منطقها العام، مع تعديل الأدوات والأساليب لتناسب السياق المعاصر.
لكن الأهم من كل ذلك هو أن هذا الموقع الوسيط يكشف عن طبيعة النظام العالمي نفسه. فإذا كانت الدولة قادرة على لعب دور يتجاوز حجمها، فذلك لأن النظام لم يعد قائمًا على مركز واحد، وإنما على شبكة من العلاقات المتداخلة. وفي هذه الشبكة، تكون القوة نسبية وليست مطلقة، تعتمد على القدرة على الربط، والتنسيق، وإدارة التعقيد.
في النهاية، لا يمكن فهم الإمارات كفاعل مستقل بالكامل، ولا كأداة بسيطة في يد قوى أكبر، لكن يجب فهمها ككيان يتحرك داخل مساحة رمادية، حيث تتداخل المصالح والقيود، وتُعاد صياغة الأدوار باستمرار. هذا الموقع يمنحها فرصًا، لكنه يفرض عليها حدودًا، ويجعلها جزءًا من نظام أكبر منها. وهنا، تكمن القيمة التحليلية للحالة، فهي لا تقدم نموذجًا مكتملًا، إنها تكشف عن كيفية عمل النظام العالمي في مرحلته الحالية، حيث لم تعد الهيمنة واضحة، ولا الاستقلال مطلقًا، ولكن أصبح العالم شبكة من الوسائط، تعمل فيها الدول، ومن بينها الإمارات، كعقدٍ تعيد إنتاج النظام، حتى وهي تحاول إعادة تعريف مواقعها داخله.
قائمة المراجع
Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks. International Publishers.
Arrighi, G. (1994). The Long Twentieth Century. Verso.
Wallerstein, I. (2004). World-Systems Analysis: An Introduction. Duke University Press.
Hanieh, A. (2018). Money, Markets, and Monarchies. Cambridge University Press.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لقاء الزيدي وترامب.. فصل جديد في العلاقات بين واشنطن وبغداد؟
.. نتنياهو يتوعد قادة إيران.. وترامب يهدد بنسف حصن نظنز النووي
.. وزير الخارجية الإسباني السابق ميغيل أنخيل يشيد بإرث الأمير ا
.. ترمب يعزي أمير دولة قطر في وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خ
.. الرئيس الأوكراني يشارك الرئيس ماكرون الاحتفال بالعيد الوطني